ابن بسام
203
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
والناس يستعيذون باللّه من بوسه ، لما رأوا [ 1 ] من فرط عبوسه ، ثم قال : أين فلان ؟ فكنت للشقوة غائبا عن المكان ، فقيل ليس بحاضر ، فاندفع من فوره وأقسم بالغموس أن أعزل عن خدمته ، ولا أبقى في بلدته ، فاستحوذ على الكلّ البهت ، وملك جميعهم السّكت ، وحضرت أحد الوزراء بديهة تراجع بها شيء من ذهنه ، فتجاسر بعض التجاسر عليه وذكّره بالكظم ، واسترجعه إلى سجيّته من الحلم ، فضجر أشنع من الأولى ، وشدّ اليمين [ 72 ب ] بأخرى ، فانقطعت أسباب الرجاء ، ولم تكن حيلة في القضاء ، وسبق إليّ ذلك النبأ الفظيع ، ثم تلاه الأمر الشنيع ، فتوهم - جعلني اللّه [ فداك ] - صورتي إن صحّ لك توهّم ، وتخيّل حالتي إن بقي لك تخيّل ؛ وأذكر لك ما بقي في ذكري وثبت في ذهني ، وسقطت مغشيّا عليّ ، وعاينت الموت جادّا إليّ ، وشاهدت نفسي وهي تخرج ، ورأيت روحي وهي تعرج [ 2 ] ، وبقيت لا أقلقل ولا أزعج ، كالمستضعف أحاطت به غلبة ، ولم تسمع له طلبة ، ويا لك من مقتدر شمخت العزّة بأنفه ، ولم يثن الجبروت من عطفه ، وقد فارقته الرأفة ، وتمكنت منه القسوة ، واللّجاج يغريه بإزعاجي ، ولا يشفيه شيء [ 3 ] غير إخراجي ، لعلمه أن ليس له عندي إنعام ، يمكنني معه خروج أو مقام ، ثم خرجت مع هذا كله على رغمي إلى شنتمريّة ، وهي القبر إلّا أنها من قبور النّقمة لا من قبور الرّحمة ، وأنا الآن فيه / أتعذّب بغمته ، وأتقلّب في ظلمته ، وتعرض عليّ أعمالي ، ولا أدري إلى حيث يكون مآلي . هذا يا سيدي بعض ما تحصّل في هذه الأحوال ، بما جرى عليّ من الشدائد والأهوال ، فرقّ الآن لأخيك رقّة راحم ، وابك عليه بدمع هام وساجم [ 4 ] ، وتقطّع إشفاقا ، واستشعر انطباقا ، والبس عليه أغبر إن لم تلبس حدادا ، وألق للعزاء عنه وسادا ، وأعجب لطول تلاعب الأيام بي ، وتلوّنها [ وتلوّيها ] في تركي مطّرحا بمنزلة ضياع ، ووضعي غرضا لتحكّم جهال ورعاع ، أجرع من الهون ما أجرعه ، وأقابل من الضيم ما لا أدفعه ، وأساء دهري كلّه وأكرب ، وأجرّ كلّ حين بأيدي الاهتضام وأسحب ، ولا أعدم في كل مكان من يتجنى ، ويعدّد ذنوبا لا تدرى [ 5 ] ، ولا ذنب لي إلّا كفّ الأذى من لساني ، ومسالمة الورى
--> [ 1 ] د ط س : رأوه . [ 2 ] د ط س : وهو يعرج . [ 3 ] د ط س : يشفي بشيء . [ 4 ] ط د س : بدمعة ساجم ؛ ب م : بدمعة غام وساجم . [ 5 ] س ط د : ويعد . . . تدرا ( تدرأ ) .