ابن بسام
204
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
في سرّي وإعلاني ، وإذا كانت هذه المحاسن التي تعجز عنها ذنوبي التي أجفى لها ، فكيف أستغفر منها ، وقل لي كيف أعتذر عنها ؟ وما زلت أجهد - على علمك - أن يكون هذا الانفصال عنه اختيارا ، فأبي اللّه إلّا أن يكون اضطرارا ، وطمعت أن أستفيد في تلك الصحبة ما يعينني على نيّتي ، ويريش جناحي للنهوض إلى طيّتي ، فما حصلت منها إلّا على قبيح عزائمي . قال ابن بسام : وهذا الفصل محلول من قول [ 1 ] البحتري حيث يقول [ 2 ] : [ 73 أ ] إذا محاسني اللائي أدلّ بها * كانت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر ومجلس الذهب الذي وصف أبو المطرف مجلس في دار السرور ، أحد قصور المقتدر بن هود بسرقسطة ، وفيه يقول ذو الوزارتين ابن غندشلب [ 3 ] يهجو الوزير ابن أحمد ، وكان ينبز بتحتون [ 4 ] : ضجّ من تحتون بيت الذهب * ودعا مما به وا حربي ربّ طهّرني فقد دنّسني * عار تحتون المئوف الذّنب وله من أخرى يصف ضيق المكان الذي أخرج إليه : فرق ما بين المكان الذي وردت عليه ، وبين القبر الذي مآل الإنسان إليه ، [ أن ] المقيم به والساكن فيه يدفن حيّا ، ولا يعلم من نور الدنيا شيّا ، وأنا منذ احتلاله أفرغ من حجّام ساباط [ 5 ] ، أركل وأضرب الآباط ، وتارة ألعب بشطرنج ونرد [ 6 ] ، وتارة أطالع أخبار بشر وهند [ 7 ] ، وأخرى أيضا : أظلّ ردائي فوق رأسي قاعدا ، أعدّ الحصى جاهدا ، وأرمي بها صادرا وواردا ؛ وكانت راحتي في مخاطبة صديق أجاذبه [ 8 ] الكلام ، وأقطع بمناجاته الأيام ، ولكن من محن
--> [ 1 ] ط س د : نظم . [ 2 ] ديوان البحتري : 954 . [ 3 ] في الأصول : عبد شلب ، وانظر : الفتح 1 : 534 . [ 4 ] النفح : بتحقون ؛ ط د س : ببحتون . [ 5 ] كان يحجم الجند بنسيئة إذا مروا به ثم يقعد فارغا بعد ذلك ( الميداني 2 : 22 ) . [ 6 ] ط د س : بالشطرنج والنرد . [ 7 ] راجع هذه القصة في مقامات البديع ، المقامة البشرية : 25 ؛ والمعنى أنه أقبل على كتب الأسمار والأساطير يقطع بها وقته . [ 8 ] ط س د : أجاريه .