ابن بسام
196
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وله من أخرى في مثله [ 1 ] : لكلّ زمان طاغية يشقى به ويعبأ له [ 2 ] ، وربما خصّ بتسلّطه ، وانقبض في تبسّطه ، ولم يصل بضرامه ، إلا من ضايق في خطامه ، فهذا المعهود ، ولا كمن جمعنا به عصر ، وضمّنا معه مصر ، فإنه جاهر الكلّ بالقلى [ 3 ] ، ودعا إلى مكروهه الجفلى ، وامتحنت أنا منه وممّن معه بأشدّ [ 4 ] محنة ، وأسلمت لأسنتهم وسهامهم بلا جنّة ، فمن أيد تستبيح الحمى ، وألسنة تنطق بالخنا ، ومن سطوات تملأ عراص القلب رعبا ، وترسل أدمع العين سكبا ، ولو استطعت أن أطوي عنك أحوالي ، ولا أشغل بالك بأوجالي ، لرفّهتك عن سماع ما يجلب إليك ارتماضا ، ولا تملك لي فيه امتعاضا ، ولكن أعوز الصبر ، وأعجز احتمال الضرّ ، فاسترحت استراحة واجد كاظم ، وتعلّلت بالشكوى إلى متوجّع واجم [ 5 ] ، على ما قيل : / ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة * يواسيك أو يسليك أو يتوجّع [ 6 ] واشتمل كتابك الكريم على [ 7 ] ما استحييت منه ، وغضضت طرفي عنه ، وأوهمني أن [ 70 أ ] شكواي أثارته ، وربما انحفزت فيما الحال بذاتها معربة عن التعذر [ 8 ] ، فأنظر الأمر إناه ، وأجره على مجراه ، وليس إلّا التفويض إليك ، والتوكل عليك ، وما عندي أكثر من أنّ نفسي في يديك ، فلا تكلني إلى رأيي فأحار ، ولا تخيّرني فلست أحسن أن أختار . ومن أخرى : أنا في هذا الوقت بحكم الزمان ، نعم مستودع الهوان ، أضحك لمن شتم ، وأعتذر إلى من ظلم ، وأغضي [ 9 ] لمن همز ولمز ، وأتعامى على من أشار وغمز ، وأتلقى المكروه والأذى ، بطلاقة التقبّل والرضى ، فمثلي إن ابتلي صبر ، وإن أوذي شكر ، أو أسخطته الأقدار تجمّل ، أو حمّل ما لا يستطاع تحمّل [ 10 ] ، فعل من يلبس للأحوال
--> [ 1 ] ط س د : وفي فصل من أخرى . [ 2 ] ب م : ويعنى به . [ 3 ] ط س : بالغل . [ 4 ] د ط س : أشد . [ 5 ] الواجم : الذي أسكته الهم وعلته الكآبة . [ 6 ] ورد دون نسبة في فصل المقال : 399 وفيه : « أو يتفجع » . [ 7 ] ط د س : واشتمل كتابي على . . . [ 8 ] ط د س : معربة بذاتها على البعد . [ 9 ] ط د س : وأغض . [ 10 ] ط د س : وحمل . . . فحمل .