ابن بسام
161
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
كلمة المأمون [ 1 ] : لو علم الناس حرصنا على العفو لتوصّلوا إلينا بالذنوب ؛ وقوله : إني لأتلذّ بالعفو حتى أخشى أن لا أؤجر عليه . وكان الحجّاج [ 2 ] قد استأصل بالقتل أسرى ابن الأشعث حتى انتهى إلى فتى منهم فقال : أيها الأمير : لئن أسأنا في الذنوب ما أحسنت في العفو ، فقال الحجاج : أفّ لهذه الجيف ، أما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا ؟ ! وأمسك عن القتل مع قساوته ، وحقنت عنده هذه الكلمة الدم ، وتغمدت الإساءة والجرم . ومولاي بصحّة فطرته ، وتوقّد فكرته ، وذكاء فهمه ، واتساع حلمه ، أحد من اتبع كريم الآثار ، وشيّد مباني الفخار ، ولم أذكّره على طريق الحجة ، لكن على وجه الذكرى التي هي في الأكرمين ناجعة ، وفي المؤمنين نافعة ، كما قال الجليل ، في التنزيل : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( الذاريات : 55 ) . ومن كلامه في ذكر التهنئة وإقامة [ 3 ] رسم الهدية فصل له من جواب [ 4 ] : ورد كتابك ففضضت ختمه عن رياض تفتّحت عن أزاهر كلمك ، ونشرت طيّه عن جواهر حكمك ، ولحظته بعين التدبّر [ 5 ] لمعانيه ، وجميع ما ضمّنته [ 6 ] فيه ، فوجدته قد أخذ بطرفي الآداب ، واكتست عليه حلة الإيجاز والإسهاب ، فاطّردت مياه البراعة من فروع منثوره ، وعبق نسيم البلاغة من مسكه وكافوره ، وقابلتني منه أوجه من البرّ جميلة ، فأردت ترك معارضتك ، نكولا عن مبارزتك ، وذهبت إلى العدول عنها كلالا عن مناجزتك ، وأنّى بمناضلتك وقدحك الفائز ، وكيف بمجاراتك وشأوي العاجز ، تاللّه لولا مخافة العقوق ، وترك واجبات الحقوق ، لأضربت عن مجاوبتك تقصيرا ، ولو شمّرت عن ساعد ذهني تشميرا . ووصل معه الغزال الأهيف ، وكأنّ عينيه عينا وسنان مالت به نشوة الرّاح ، وثنى عطفه هزّة الارتياح ، كأنما كحلا سحرا ، وأشربا خمرا ، ينظر بهما نظرا لمريب ، ويعرض إعراض الحبيب ، بجيد أتلع ، [ 57 أ ] ومنظر أروع ، وكأنّ قرنيه قلمان ، وكأنّ أذنيه جلمان ،
--> [ 1 ] قارن بتاريخ الخلفاء للسيوطي : 348 . [ 2 ] انظر : ابن خلكان 2 : 39 . [ 3 ] ط س : وإقام . [ 4 ] ط د س : فصل من رقعة له . [ 5 ] ب م : ولحظت . . . التدبير . [ 6 ] ب م : ضمنت . الذخيرة مجلد 3 11