ابن بسام
155
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
منتظرة ، وصلتك مستمطرة ، فلا تعتذر إلّا من الإغباب ، ولا تستكثر قليل ما تصل به من الكتاب ، فأنا إلى أخبارك متطلّع ، ولآثار الصديق المخلص من النفس موقع ، وقد علم علام الغيوب شغل بالي بك ، واقتضائي [ 1 ] الأيام لك ، ما تقتضيه لنفسك وذاتك ، من آمالك وإراداتك ، وإنه ليعتريني حصر عند مجاوبتك ، وخجل حين [ 2 ] [ 55 أ ] مكاتبتك ، من خلوّ كتابي إليك ، من معنى تشدّ عليه يديك ، وفائدة تعود بمسرّة عليك ، ولكنّ الأحوال لا تغرب ولا تغيب ، وليس على الأيام عتب ولا تأنيب . وفي فصل منها : وردني كتابك مشاركا لي بفضلك ، في ما أظلم من / بالك ، واغتمّ من حالك ، وتعذّر من أمرك ، وتأخّر من إسعاد دهرك ، كأنّه نفثة المصدور ، وسلوة الموتور ، وتعلّة الشاكي إلى أخيه ، وراحة الباكي مع من يباكيه ، وقد علم تعالى أنّ مساهمتي لك في ذلك مساهمة من يخصّه ما يخصّك ، ويمسّه ما يمسّك ، ولكن ما يصنع مع الأيام إذا صمّت عن الشكوى ، وأبت من العتبى ، والأقدار إذا لم ينته لها أمد ولا مدى ؟ ! وإن عذرك لواضح أن يضيق صدرك ، ويعاصيك [ في ] بعض الأحيان صبرك ، فقد ترى حظوظا أنت بها أحقّ ، وغيرك إليها أسبق ، وأحوالا أنت الجاري إلى غاياتها ، وغيرك الجاني لثمراتها [ 3 ] ، إلّا أنها الجدود لا تعجل عن آنائها [ 4 ] ، ولا تحفز في أناتها ، وعندك من معرفة الأيام ما يسليك وينفعك ، ومن الأدوات ما لا يهملك ولا يضيّعك ، وأنت في اقتبال سنّك ، وعنفوان أمرك ، وحالك واعدة لك بأكثر مما في نفسك ، فلا تضجر [ بفضلك ] فالزمن بين يديك ، وعدم الأماثل محوج إليك . ومن أخرى إليه [ 5 ] : إذا اتفق للمرء وفيّ يصادقه ، وسريّ يوافقه ، وأديب يجاذبه أهداب الآداب ، وأريب يناهبه لباب الألباب ، فقد ظفر بالأخ الأسنى ، وأفاض بالقدح المعلّى ، وراد من الأنس مرادا خصيبا ، وفوّق في أهداف المنى سهما مصيبا ، فهي الضالة التي تنشد ولا توجد ، والغريبة التي توصف ولا تعرف ، وهو الاسم الواقع على غير مسمّى ، كعنقاء مغرب ، وأرى أن قد [ 6 ] ظفرت منك بذلك المطلوب الذي هو في / حيّز
--> [ 1 ] ط د س : واقتضاء . [ 2 ] د ط س : عند . [ 3 ] ط د س : الجاري إلى غمراتها . [ 4 ] ب ط س : إناها . [ 5 ] د ط س : وله من أخرى . [ 6 ] ب م ط د س : وأرى وقد .