ابن بسام
152
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
تخترع فأتبع ، وتهيب فأجيب ، فالآن إذ أخمدت الخطوب نار رويّتي ، وارتشفت النوائب ماء بداهتي [ 1 ] ، فما غادرت فيه شفافة ولا علالة ، ولا أسأرت فيه صبابة ولا بلالة ، أرتجي أن أطيل فلا أملّ ، وأختصر فلا أقلّ ؟ ! هيهات ! يأبى ذلك جفن أرق ، وقلب محترق ، وفكر ناب ، وذكر كأب ؛ ولو كنت ممّن يبدئ ويعيد ، ويحسن ويجيد ، لما اغترفت إلّا من بحرك ، ولا نفثت إلّا من سحرك ، ولا أغرت إلّا على نظمك ونثرك ، فأنت قدوتي ، وبك أسوتي ، وإليك منتهى روايتي ، ومنك معظم درايتي . ومن أخرى : إن استدللت - أعزّك اللّه - أو أدللت أو انبسطت ، فإخلاد إلى جنب المقة ، واعتماد على ركن الوفاء والثقة ، وانقياد لما تقدّم من الذمام السالف ، وتأكّد من تالد الإخاء [ 54 أ ] والطارف [ 2 ] ، واللّه يبقيك عينا للزمان ، وعنوانا في صحيفة الإخوان . / ومن أخرى خاطب بها أبا القاسم ابن خيرون [ 3 ] : وقفت على ما حددته من مقابلة السّفرين المشتملين على فنون الآداب ، وصناعة الكتاب ، وطرق الخطاب [ 4 ] ، الجامعة لفصاحة الأعراب ، ولباب اللباب ، وبادرت إلى ذلك بدار من علم أنها نعمة سابغة منحتها ، ووصلة وصلتها ، لما في تأملها من الإشراف على طرق البلاغة والكتابة ، وصناعة الترسيل والخطابة ، مع ما يلزمني من حقّك أقضيه ، وواجبك أتصرّف فيه وأوفيه ، إذ أنت صنو أبي مولاي - مدّ عليّ ظلكما ، وكبت [ 5 ] الباغي عليكما ، والحاسد لكما - فكم يقرع سمعي من قول الحاسدين من [ 6 ] خصّ أبي مولاي بمعاداة أهل الجهل ، وحباه بموالاة أهل الفضل ، ولا غرو فغير غريب ذلك من فعلهم بالعلماء ، ولا ببديع من صنيع الدهماء ، وقد قال الأول : بيني وبين لئام النّاس معتبة * لا تنقضي وكرام الناس خلّاني [ 7 ] إذا لقيت لئيم الأصل أبغضني * وإن لقيت كريم الأصل حياني
--> [ 1 ] ط س : بديهتي . [ 2 ] ط س : ذلك الإخاء الطارف . [ 3 ] ب م : جبرون ؛ وقد ترجم ابن سعيد لأبي القاسم بن خيرون ( المغرب 2 : 419 ) ، ونسبه إلى حصن بيران من أعمال دانية ، وذكر أنه سكن دانية وكان من شعراء إقبال الدولة . [ 4 ] ط د س : الخطابة . [ 5 ] ط س د : وبكت . [ 6 ] د : مذ . [ 7 ] البيتان في الصداقة والصديق : 30 دون نسبة .