ابن بسام
153
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وقال آخر [ 1 ] : لقد زادني حبا لنفسي أنّني * بغيض إلى كلّ امرئ غير طائل وأني شقيّ باللئام ولن ترى * شقيّا بهم إلا كريم الشمائل وفي فصل منها : ومن العجائب العجيبة ، والنوادر الغريبة ، تحكّك من ليس من شأنه ، ولا يجري في ميدانه ، إلى مطالبته ، ونصبه لمحاربته [ 2 ] ، بالإبراق والإرعاد ، والتهديد [ 3 ] والإيعاد ، لا جرم أنّ يده أقصر ، وخطبه أيسر ، وهو أصغر وأحقر ، فما ريع بذلك الوعيد ، ولا رفع رأسه لذلك التهديد [ 4 ] ، ولا أصبح سربه خائفا ، ولا أمسى طائره واقعا ، ولا طرفه خاشعا ، ولا اضطرب به مستقرّ ، ولا قال أين المفرّ ، بل عدّ ذلك من دلائل سموّه الواضحة ، ومخايل علوّه اللائحة ، وتضاحك منه لاهيا ، وأنشد : زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا * أبشر بطول سلامة يا مربع [ 5 ] ومن أطرف ما جاءت به الأيام ، وتحدّثت به الأنام ، مناواة [ 6 ] جاهل خسيس ، لإمام عادل رئيس ، لقد استنّت الفصال حتى القرعى [ 7 ] ، ولا تعجبنّ لجاهل علا ، إن البغاث بأرضنا يستنسر [ 8 ] ، وما لتيس جبان ، والجري مع العلماء في ميدان ؟ ! أوهمته نفسه إذ لقّب [ 54 ب ] بالفقيه ، وذلك أقصى أمانيه ، وهو من العلم ، أبعد من النجم ، ومن الجهل الشديد ، أقرب من حبل الوريد ، وكيف يجاري العلماء ، ويسامي الكبراء ، ويزاحم أهل العلم بالفروع والأصول ، والعلة والمعلول ؟ ! وما ذا / عليه من العلم [ المدار ] ، بوثائق ابن العطار ، وبعقد وثيقة وهو لا يعرف معانيها وفصولها ، [ ويطوّل وهو لا يميّز حشوها وفضولها ] ، إلى اللّه الشكوى في دثور العلم وتألّب الجهلاء والغوغاء ، وتألفهم على من بان فضله عليهم ، حتى صاروا على الشرّ أعوانا ، وإن لم يكونوا قبل إخوانا ، خوفا على جهلهم أن يظهر ، وينتشر من غباوتهم ما استتر :
--> [ 1 ] هو الطرماح بن حكيم ، انظر ديوانه : 346 ، 347 . [ 2 ] ط س د : إلى محاربته . [ 3 ] ط د س : والتعزير . [ 4 ] د ط س : النشيد . [ 5 ] البيت لجرير ، ديوانه : 916 . [ 6 ] ط د س : موالاة . [ 7 ] انظر : أمثال العسكري 1 : 71 ، وفصل المقال : 402 ، وجمهرة ابن دريد 2 / 384 ، 3 : 82 . [ 8 ] انظر : أمثال الميداني 1 : 7 ، وفصل المقال : 129 ، والعسكري 1 : 141 ، 163 .