ابن بسام

124

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

تجرّع الغصص [ في كتم هذه القصص ] التي فيها عبرة لأولي الألباب ، وما كان هذا الذي طرأ ، حديثا يفترى ، ولا هذا الذي طرق ، نبأ يختلق . ومن رقعة أخرى أيضا في ذلك مجهولة [ القائل ] : المحن على ضروب ، والنوائب تجري بمعضلات الخطوب ، فتفجأ بالرّقم الرّقماء [ 1 ] ، وتطرق بالداهية الدهياء ، وتأتي بالغريبة الشّنعاء ، فلا واقي سواه ، ولا مجير من بغتاتها حاشاه ، وهب الحازم ارتقب الخطوب معدّا لها من سننها ، ولقي المكاره بسلاحها وجننها ، كيف له بعلم خفيّات الضمائر ، وخبيئات البواطن والسّرائر ؟ إلّا أنّ لطفه الخفيّ ، وصنعه الكافي الحفيّ ، يكلآن من توكّل عليه ، ويعضدان [ 2 ] من اعتضد به [ واستند إليه ؛ وكنت ] قد اختصصت من ولدي الخائن [ 3 ] الجاني إسماعيل بضروب / من الإنعام ، والإحسان والمبرّة والإكرام ، وملّكته زمام أعنّة الجنود ، وأظللته بظلّ خافقة البنود ، وأرضعته ثدي الحرب ، وجرّأته على مقارعة الطعن والضرب ، وأنفذت أمره ونهيه ، وأجزت فعله ورأيه ، فقصرت عليه أقاصي المطامع ، وأشير نحوه بالأصابع ، ودعي بالرئيس الأمير ، ولقّب بالمؤيّد المنصور ، إلا أنّ ظنّ المرء يخطئ ويصيب ، وللّه أستار دون علم الغيوب ، وليس على المرء ضمان العواقب ، ولا كلّف سوى الاجتهاد في المطالب [ 4 ] ، فإنما هو بشر ، يقضي بما ظهر ، وللّه ما بطن واستتر : فإن كان ذنبي [ 5 ] أنّ أحسن مطلبي * أساء ، ففي سوء القضاء لي العذر وكان ينبئ ظاهره من الاجتهاد منتهى الاستطاعة ، ويجري أمره إلى غاية اللازم من حدود الطاعة ، إلى أن علق به من أغواه من شياطين الإنس فزين له زخرف الغرور [ 43 ب ] والفسوق ، وقذف به في هوّة الخذلان والعقوق ، فأحال طينته إلى أخبث التّرب ، وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب [ 6 ] ، ونقله من الطبع الكريم ، إلى الخلق الذّميم ، وعوّضه من طاعة الربّ والأب ، آفة الكبر والعجب ، وحين لبس ثوب الغرّة [ 7 ] والخيلاء ، وقاد

--> [ 1 ] الرقم : الداهية ؛ يقال جاء بالرقم الرقماء أي الداهية الدهياء . [ 2 ] د ط س : وينصران . [ 3 ] ب م : بالحائن . [ 4 ] د ط س : الغالب . [ 5 ] د ط س : وما هو إلا . [ 6 ] قد مر هذا ، انظر ص : 35 ، 156 . [ 7 ] د ط : العزة .