ابن بسام
123
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وخولف [ 1 ] فما اصطبر ، ولا بنكير [ 2 ] / ممن أرضى بارية ، بإسخاط أهليه ، إنّ لي في من سلف أسوة ، وبالنبيّ عليه السلام قدوة ، ولو نظر بعين الحقيقة ، ولم يعدل عن سنن الطريقة ، لكان من أنصاري ، في إقامة أعذاري : هذا خليل [ 3 ] الرّحمن ، وكان في الأنبياء من كان ، لما تبيّن أن أباه عدوّ للّه تبرّأ منه ، وقد تلّ أيضا عليه السّلام ابنه الذبيح للجبين ، ووضع في حلقه السكّين ، وهو من أبرّ النبيين ، اتباعا لأمر اللّه حتى فداه الربّ الكريم ، بالذّبح العظيم ، وصبر على ما لو حلّ بالصخر لفلقه ، أو بالحجر لفرقه ؛ وهذا عمر بن الخطاب ، وكان من كان في الأصحاب ، قد قسا قلبه على أبي شحمة ، ولم تأخذه فيه [ رأفة ولا ] رحمة ، حين جلده ، حتى فقده ، وصبر غير مكتئب ، صبر المحتسب ، إرضاء لباريه ، وتقرّبا إليه بما يرضيه . وكان لبعض بني العباس ، وهم أئمّة الناس ، في ابنه العاقّ ما قد درس خبره ، وطمس أثره ، ولولا أن الإطالة ، تفضي إلى الملالة ، لأوردت من خبره الأشنع ، ما فيه مقنع ، وأحدثهم عهدا في هذه العصور ، عبد اللّه الأمير وأبو عامر المنصور ، فأمّا عبد اللّه فقد قتل ابنه محمدا [ 4 ] ، لما أحسّ منه تمردا ، وكان قرّة عينيه ، فما عيب ذلك عليه ؛ وأما [ 43 أ ] المنصور ، وحسبك به جزالة وحزامة في الأمور ، فقد فعل بابنه عبد اللّه ما فعل لما عصى ، وشقّ العصا [ 5 ] ، هذا وما بلغا هذا المبلغ ، ولا ولغا في الدم كما كاد هذا اللعين أن يلغ ، ولو اقتصصت ، فوق ما نصصت ، لأطلت وأمللت ، / لكن اجتزيت [ 6 ] ، بمن سمّيت ، وأيّ عذر [ يقوم ] لمن مكّنه اللّه في بلاده ، وحكّمه في عباده ، ألا ينفذ حدّه الذي حدّه ، ويؤثر فرضه الذي فرضه ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( المائدة : 47 ) ولولا عقاب المسئ ، لقلّ من لا يسيء : والظلم في خلق النفوس فإن تجد * ذا عفّة فلعلّة لا يظلم [ 7 ] ولا غرو إن أسهبت وأطنبت في خبر المغرور ، فإنها نفثة مصدور ، وما أطقت
--> [ 1 ] قبلها في ب م صورة : « وعز » . [ 2 ] ب م : تنكر . [ 3 ] د ط س : وبالنبي عليه السّلام قدوة ، ومن التابعين رضي اللّه عنهم أجمعين ، هذا خليل . . . [ 4 ] كان مطرف ابن الأمير عبد اللّه يغري أباه بأخيه محمد ، فأخذ الأمير ابنه محمدا وحبسه ، ولما نحرى جلية الأمر أطلقه إذ لم يجده مذنبا ، فقتله مطرف سنة 277 ، هذا ما ذكره ابن عذاري 2 : 150 . [ 5 ] قتل عبد اللّه بن المنصور سنة 380 ، انظر قصة خروجه على أبيه ثم مقتله في ابن عذاري 2 : 284 . [ 6 ] د ط س : احتذيت . [ 7 ] البيت للمتنبي ، ديوانه : 219 .