ابن بسام

122

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

حريق ناره التي سعّر ، وغريق تياره الذي فجّر ، شرد شراد [ 1 ] الظليم ، على حين لا حليف ولا حميم ، وترامى من شرفات القصر ، ترامي المذعور بالقسر ، وهو ينشد : إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأكثر ما يجني عليه اجتهاده [ 2 ] فأعجلت إليه هنالك من عثر وشيكا عليه ، واستاقه استياق العاني ، فيا وقفة المذنب الجاني ، يشكو إلى من يصمّ عنه ، ويتبرأ منه ، وسيقت بطانته أسارى ، من غير خمر سكارى ، فأقرّوا بما دبّروا ، وبه دمروا ، فالحمد للّه جاعل تدميرهم في تدبيرهم ، وإبادتهم في إرادتهم ، ومن حفر لأخيه [ بئرا ] سقط فيها ، واستحضرت مشيخة العلماء وجعلت الأمر بينهم شورى ، إشارة للعدل في القضا ، واتباعا لأمر اللّه تعالى في الغضب والرضى ، فكلّهم [ 3 ] / حد إنفاذ الحدّ ، وتلوا قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [ 42 ب ] ( المائدة : 33 ) . فكان ما كان مما لست أذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر [ 4 ] فاعتبر يا سيّدي من هذه الفتن المضلّة لأبناء الزمن ، وانظر كيف يستدرجهم الشيطان ، في مدارج العصيان ، حتى إذا قحمهم الغرر ، أسلمهم القدر ، وكلّ ذلك مسطور ومأثور ، وفي عقوق هذا من البنين ، آية للعالمين ، وما كان هذا اللعين ، في ما جناه ، فاجتناه ، وشبّه ، فألهبه ، وكاده ، فأباده ، إلا كالبقرة تبحث على مديتها بقرنيها ، وكالنملة تطلب حتفا بجناحيها [ 5 ] ، فتبّا للأولاد ، يتقرّبون بالولاد ، ويتباعدون بالوداد ، في مصارع الحسّاد ، إن هم إلّا فهود ، بأهب أسود ، يتقلّبون بما صغروا ، ويستأسدون إذا كبروا . وفي فصل : ولعلّ قائلا قد سلب المعقول ، يصول يوما فيقول ، ويطعن ويغمز ، حيث لا مطعن ولا مغمز ، وينحلني الفظاظة والقسوة ، ويعتدّها وصمة عليّ وهفوة ، وربّ سامع بخبري لم يسمع عذري [ 6 ] ، ولست ببدع ممن ظلم فانتصر ،

--> [ 1 ] د ط س : شرود . [ 2 ] خ بهامش م : أتته الرزايا من طريق الفوائد ؛ وهذا عجز بيت لأبي فراس ( ديوانه : 83 ) وصدر البيت : إذا كان غير اللّه للمرء عدة ؛ أما البيت الذي في المتن فورد غير منسوب في التمثيل والمحاضرة : 10 . [ 3 ] س ط د : فكل . [ 4 ] البيت لابن المعتز ، ديوانه 3 : 49 ، وانظر : قطب السرور : 567 . [ 5 ] أصل المثل : كباحث عن الشفرة ( أو عن المدية ) انظر : فصل المقال : 392 ، والميداني 2 : 69 ؛ وقد أشار الجاحظ في مواضع من كتاب الحيوان إلى أن النمل إذا نبت له جناحان فقد دنا هلاكه . [ 6 ] انظر : فصل المقال : 72 ، والميداني 1 : 201 ، والعسكري 1 : 308 .