ابن بسام
107
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فلما صرنا بباب القصر ، دعا بنا فانصرفنا ، وأذن لنا في الجلوس فجلسنا ، ثم خرج أمره بأن يحضر [ 1 ] الكاتب ابن عبد البرّ ، فدخل ، ومجلسه قد احتفل ، وقال له : اكتب إلى ابن أبي عامر ، وحلّل دم الخائن [ 2 ] الغادر ، وكلاما هذا معناه . وجاءه الغلام بجلد الرقّ والدواة ، والوزراء والخاصّة جلوس بذلك المقام ، وقالوا في أنفسهم : ما عسى أن يتّجه لابن عبد البر من كلام ، على هذه الحال ، لا سيما على الارتجال ؛ قال المحدث : فسوّى الجلد ، وجعل يستمدّ ويكتب ، وعين المعتضد فيه تصعّد وتصوّب ، فلما فرغ منه أسمعه ذلك إلى آخره ، وخرجوا عنه وهم يرون أن ابن عبد البر من آيات فاطره ، وكان [ قد ] قال في تلك الرقعة [ بعد الصدر ] : / إذا تقوضي - أيّدك اللّه - حقّ المشاركة ، وتعوطي [ 3 ] حقّ المساهمة بين إخوان الصفاء ، في [ 36 ب ] صغار الأبناء ، فأخلق بتقاضيه في العجائب العقم [ 4 ] ، وتعاطيه عند النوائب الدّهم ، وطرأت عليّ [ يا سيدي وأغلى عددي ] من خطوب الأيام طارئة دهياء دهماء ، وفجأتني [ 5 ] من ضروب [ 6 ] الأقدار فاجئة عمياء صمّاء ، ثارت إليّ من مكمني ، وطلعت عليّ من مأمني ، وشرعت نحوي من قبل الجنّة التي كنت أعدّها لأشباهها ، وأديرها متفيئا بها من تلقائها وتجاهها ، إلا أنّ اللّه بصنعه الجميل الذي لا أنفكّ أشكره وأحمده كفاني أولا ثم شفاني آخرا ، له الحمد دائبا ، والشكر واصبا [ 7 ] ، وشرح ذلك [ 8 ] [ أيّدك اللّه ] أن الغبيّ العاقّ ، اللعين المشاقّ ، إسماعيل ابني بالولاد لا بالوداد ، ونجلي بالمناسب لا بالمذاهب ، كنت قد ملت بهواي إليه ، وقدّمته على من هو أسنّ منه ، وحبّك الشيء يعمي ويصمّ ، والهوى يطمس عين الرأي أو [ 9 ] يلمّ ، فآثرته بأرفع الأسماء والأحوال [ 10 ] ، ووسّعت عليه في خطيرات الذخائر والأموال ، وأخضعت له رقاب أكابر الجند ووجوه الرجال ، ودرّبته في مباشرة الحروب ، وأجرأته على مقارعة الخطوب ، ولم
--> [ 1 ] د ط س : فلما صاروا . . . نفذ بانصرافهم الأمر ، فرجعوا وجلسوا ثم أمر أن يحضر . [ 2 ] ب : الحائن . [ 3 ] م : تعوطي . . . تقوضي . [ 4 ] د ط س : العجم . [ 5 ] د ط س : دهياء عمياء ، وفاجأتني . [ 6 ] د ط س : صروف . [ 7 ] م : دائما . . . لازما . [ 8 ] من هنا يبدأ النقل عند ابن عذاري في البيان المغرب 3 : 245 . [ 9 ] م ب : إذ ؛ والمعنى : أو يكاد ؛ وفي الحديث الشريف : « وإن مما يثبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم » . [ 10 ] زاد في البيان : وخصصته بما بيدي من القواعد والأعمال .