ابن بسام
108
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
يكن [ 1 ] فيما أحسبه أنّي / إنما أشحذ على نفسي منه [ 2 ] شفرة ، وأوقد [ منه ] بالتدريب والتخريج [ 3 ] تحت حضني جمرة ، وما كنت خصصته بالإيثار ، واستعملته في المكافحة والغوار ، إلا لجزالة كنت أتوسّمها فيه كانت عيني بها قريرة ، وشهامة كنت أتوهّمها منه كانت نفسي بها مسرورة ، فإذا الجزالة جهالة ، والشهامة شرّة وكهامة ، وقد يفتن الآباء بالأبناء ، وينطوي عنهم ما ينطوون عليه من الأسواء [ 4 ] ، مع أنّ الآراء قد تنشأ وتحدث ، والنفوس قد تطيب ثم تخبث [ 5 ] ، لقرين يصلح أو يفسد ، وخليط يغوي أو يرشد ، وكما أن داء العرّ قد يعدي ، كذلك قرين السوء قد يردي ، ومن اتخذ الغاوي خدينا ، عاد غاويا ظنينا ، وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ( النساء : 38 ) . وقد انطوى عن بعض الأنبياء عليهم السلام ما آل إليه [ أمر ] بعض بنيهم ، هذا والوحي يشافههم ويناجيهم ، فكيف بنا وإنما نقضي على نحو ما نسمع ، ونقطع على حسب ما نرى ونطلع ، وليس علينا ضمان العواقب ، ولا إلينا علم حقائق المذاهب ، وهي الخواطر ، لا يعلمها إلا الفاطر ، والبواطن ، لا يحيط بها إلا الظاهر الباطن ، وقد يخبث طعم الماء مع [ 6 ] الصّفاء ، ويروق منظر الدّمنة الخضراء ، ويذوي ثمر [ 7 ] الدوحة الغناء ، في التربة الغضراء . وفي فصل منها : ولما وثب هذا اللعين [ 37 أ ] الغبين ، من المهد ، إلى سرير المجد ، ودرج من الأذرع ، إلى المحلّ الأرفع ، ورآه استغنى ، وأثرى من زينة [ 8 ] الدنيا ، أشره ذلك وأبطره ، وأطغاه وأكفره ، وطلب / الازدياد ، وأحبّ الانفراد والاستبداد ، وقيّض [ 9 ] له قرناء سوء أعدوه وأردوه ، وأتيح له جلساء مكر أغروه وأغووه ، وأشعروه الاستيحاش والنّفار ، وزيّنوا له العقوق والفرار ، لينفرد وينفردوا معه بالبلد ، ولا تكون على أيديهم [ فيه ] [ 10 ] يد أحد ، فخرج ليلا بأهله وولده خروجا [ شنيعا ] فتق فيه قصري ،
--> [ 1 ] م ب : أكن . [ 2 ] ط د س : من ابني . [ 3 ] ط د س : بالتخريج والتدريب . [ 4 ] س : الأهواء . [ 5 ] م ب : ويخبث . [ 6 ] ب م : بعد . [ 7 ] م ب : وتردي ثمرة . [ 8 ] د ط س : رفعة . [ 9 ] د ط س : وقرن . [ 10 ] د ط س : فيها .