ابن بسام

94

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وردني كتابك الأثير المقابل بين النثر البليغ والنظم البديع ، تصرّفت فيهما تصرّف من إذا حاك الكلام طرّز ، وإذا « 1 » غشي ميدان البيان برّز ، وأخذ بآفاق العلوم ، وأشرقت خواطره فيها كإشراق النجوم ، وإنها لفضيلة بعد فيها شأوك ، وفات جهد المجارين لك عفوك ؛ فأمّا ما صدّرته به من بالغ إطراء ، وسابغ ثناء ، فأمر أعلم « 2 » أنّه صدر عن عهد كريم ، ومعتقد سليم ، أنا معتقد عليهما بجميل القرض ، والمجازاة الحسنة بهما في وكيد الفرض . واقتضيت ما تلا ذلك من وعظك المبرور ، واحتسابك « 3 » المشكور ، في الحال التي أشرت إليها فأقنعت ، ورمزت « 4 » بها فأسمعت ، بصحّة دينك ، وبرد يقينك ، حتى نظرت إلى ما دهم المسلمين من كلب العدوّ عليهم : يجوسون « 5 » البسيط من ديارهم ، ويستبيحون « 6 » المحوط من ذمارهم ، ليس إلى الانقياد عن أحكامهم دفاع ، ولا سوى الانحياز من أمامهم امتناع ، قد تبيّن لهم أنّ تخاذلنا لهم علينا ناصر ، وتواكلنا مظاهر « 7 » مؤازر ، فلا يعدمون من يتخلى لهم / عن بلد ، أو يعطيهم الجزية عن يد وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ( محمد : 4 ) . ولقد شرحت من تلك [ 23 ب ] النّصب ما يسهر النّواظر ، ويبلّد الخواطر ، ولا يدع ركن عز إلا أوهاه ، ولا بناء جلد إلا أراده ، ولا عدّ « 8 » صبر إلا أغاضه ، ولا ثمد دمع إلا أفاضه ، وأن الحذر أن تغشى « 9 » التي لا شوى لها ، وتفجأ التي لا لعا منها ، فيرام من ذلك استكفاف سيل من التلف قد انحدر ، وينظر « 10 » في أعقاب نجم من التلافي قد انكدر ، إلا أن يعود اللّه علينا برحمته ، ويهيئ لنا أسباب عصمته . وأما ما ندبت إليه ، وحضضت عليه ، من إحفاد « 11 » السعي فيما يقمع المشركين

--> ( 1 ) ل ك : أو . ( 2 ) ك : فاعلم . ( 3 ) في النسخ : وإحسانك ، وأثبت ما في هامش ط . ( 4 ) ط د : وزمرت ؛ ك : وزخرت . ( 5 ) م ط د س : ويحرمون . ( 6 ) د ل ك : ويستحيون ؛ م ط س : ويستحبون . ( 7 ) خ بهامش ط : مضافر . ( 8 ) د : بحر . ( 9 ) م : تمشي . ( 10 ) ك : وينذر . ( 11 ) في النسخ : إجهاد ؛ والأحفاد : الإسراع .