ابن بسام

84

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وله في قيام الليل « 1 » : قد أفلح القانت في جنح الدّجى * يتلو الكتاب العربيّ النيّرا فقائما وراكعا وساجدا * مبتهلا مستعبرا مستغفرا له حنين وشهيق وبكا * يبلّ من أدمعه ترب الثرى / إنّا لسفر نبتغي نيل المدى * ففي السّرى بغيتنا لا في الكرى من ينصب الليل ينل راحته * عند الصباح يحمد القوم السرى « 2 » وله : وتيقّن بأنّك الدهر تملي * في كتاب المستحفظين الكرام ثم تؤتى يوم الكتاب كتابا * ناطقا بالفجور والآثام وأرى عثرة اللسان ، وإن لم * تبد ، أنكى من عثرة الأقدام وأرى القول كالسّهام فإن كا * ن قبيحا عادت عليّ سهامي ومن الغيّ أن أصاب بسهم * وأنا مالك يمين الرّامي ] الوزير أبو عامر ابن مسلمة « 3 » طائل الدهر ، وعلم بردة ذلك العصر ، وأحد جهابذة الكلام ، وجماهير النثار والنظام ، من قوم طالما ملكوا أزمّة الأيام ، وخصموا بألسنة السيوف والأقلام ، لم يزالوا أقمارا في آفاق الكتائب ، وصدورا في صدور المراتب ، وكان أبو عامر هذا من شرفهم بمنزلة الفصّ من الخاتم ، وبمكان السرّ من صدر الحازم . ولمّا ثلّت تلك العروش الأموية ، واختلت تلك الدولة القرطبية ، تحيّز إلى المعتضد ، لأملاك قديمة كانت له في البلد ، فعاش بفضل وفره ، وتصوّن عن الدخول في شيء من أمره ، إلا عن زيارة / لمام ، ومنادمة في بعض الأيام ، جذبه إليها ، وغلبه مضطرا عليها ، ولم يزل يتخادع له عن ذلك استدفاعا لشرّه ، ومداراة على بقيّة عمره ، حتى مات مستورا بماله ، مبقى على أشكاله ، وله منظوم مطبوع ، ونثر بديع ، وقد وقع إليّ من إملاءاته ، وغرائب أدواته ، تأليف جمعه

--> ( 1 ) الأبيات في ابن عساكر 6 : 250 ( ما عدا الثاني ) . ( 2 ) انظر : المثل في فصل المقال : 254 ، 334 ، والميداني 1 : 303 ، والفاخر : 158 ، والعسكري ( بهامش الميداني ) 2 : 64 . ( 3 ) ترجمته في الجذوة : 61 ( والبغية رقم 107 ) ، والمطمح : 23 ، والمغرب 1 : 96 ، وقد سبق التعريف به وذكر مصادر ترجمته في القسم الأول 1 : 403 .