ابن بسام
77
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
تواصله ، وعجائب الشام والعراق تغازله ، حتى أجاب ، وشدّ الركاب ، وودّع الأوطان والأحباب ، فرحل سنة ستّ وعشرين ، فما حلّ بلدا إلا وجده ملآن بذكره ، نشوان من قهوتي نظمه ونثره ، ومال إلى علم الديانة ، وقد كان قبل رحلته تولّى إلى ظله ، ودخل في جملة أهله ، فمشى بمقياس ، وبنى على أساس ، فلم يبعد أن أصبح نسيج وحده ، في حلّه وعقده ، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه ، ويرتاحون إلى الأخذ عنه ، وحتى علم العلم أنّ له أشكالا ، وتيقن أهل العراق أن بالأندلس رجالا ، ثم كرّ ، وقد نفع وضرّ ، وأحلى وأمرّ ، واستقضي بطريقه بحلب ، فأقام بها نحوا من عام ، ثم نازعه [ 20 ب ] هوى نفسه ، إلى مسقط رأسه ، ومنبت غرسه ، من أرض الأندلس ، فورد وعشب بلادها ناب وظفر ، وصوب عهادها دم هدر ، وما لها « 1 » لا عين ولا أثر ، وملوكها أضداد ، وأهواء أهلها ضغائن وأحقاد ، وعزائمهم في الأرض فساد وإفساد ، فأسف على ما ضيّعه ، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه ، على أنه لأوّل قدومه رفع صوته بالاحتساب ، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصلة ما انبتّ من تلك الأسباب ، فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف أسماعا واعية ، بل نفخ في عظام ناخرة ، / وعكف على أطلال داثرة ، بيد أنّه كلما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب ، وأجزل حظّه بالتأنّس والتقريب ، وهو في الباطن يستجهل نزعته ، ويستثقل طلعته ، وما كان أفطن الفقيه ، رحمه اللّه ، بأمورهم ، وأعلمه بتدبيرهم ، لكنه كان يرجو حالا تثوب ، ومذنبا يتوب ، ولم يخل مع ذلك من تأليف « 2 » الدواوين وتدريسها ، وتشييد المكارم وتأسيسها . بلغني عن الفقيه أبي محمد ابن حزم أنه كان يقول : لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب « 3 » مثل أبي الوليد الباجي . وقد ناظره بميورقة ففلّ من غربه ، وسبّب إحراق كتبه ، ولكنّ أبا محمد وإن كان اعتقد خلافه ، فلم يطّرح إنصافه ، أو حاول الردّ عليه ، فلم ينسب التقصير إليه . وتوفي أبو الوليد الباجي ، رحمه اللّه ، سنة أربع وسبعين ، وهو بسبيله من تصنيف
--> ( 1 ) ل ك م ط س : ومال . ( 2 ) ل : تأويل . ( 3 ) هو أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر القاضي ( - 422 ) ( انظر في ترجمته : ترتيب المدارك 4 : 691 ، وطبقات الشيرازي : 168 ، وتبيين كذب المفتري : 249 ، وتاريخ بغداد 11 : 31 ، والديباج المذهب : 159 ، وابن خلكان 3 : 219 ، والمرقبة العليا : 40 ، والفوات 2 : 419 وستأتي ترجمته في القسم الرابع من الذخيرة ، وانظر كذلك مصادر أخرى ذكرت في حاشيتي الوفيات والفوات ) .