ابن بسام

525

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

/ وللوزير أبي محمد عبد الغفور من أهل وقتنا فصل يتعلق بهذا المعنى من رقعة ، قال فيه : كنت « 1 » قبيل هذا المشيب الذي علا ، والشباب الذي تولّى ، كريما على ذوات الطّلى ، لا يتعرّضن فيّ لمكان القلّة « 2 » بلولا ؛ ولمّا أطار غراب الشباب باز المشيب ، ورحت رثّ الجلباب بعد كلّ شخت قشيب ، سمعتهنّ حينا يتبرّمن ، وحينا يترنّمن ، إلّا أنهنّ يجمجمن ولا يترجمن ، وبفضل حاسّتي - وللّه الفضل - ما فهمت الوزن ، فلما استقريت لتعرّف حروفه السّهل والحزن ، عثر لهجي في تطلّب تلك الضالة بلعلّ وعسى ، بقول الملك الضّلّيل : « ألمّا على الرّبع القديم بعسعسا » ولم أزل بعد محدّثا موسوسا ، حتى سقط بي اليقين على قوله « وقوّسا » وفي صدر هذا الرويّ : « أراهن لا يحببن من قلّ ماله » ، وإذا قوّس ظهر المرء فقد استحال جماله ، فإذن قاتلهنّ اللّه يحببن القبيح ذا المال ، والفقير ذا الجمال . وصفة ابن عبدون للذباب : أجاد فيه ما أراد ، وقد تناول هذا المعنى أبو بكر ابن سعيد البطليوسي ، فقال من قصيدة « 3 » : كأنّ أهازيج الذباب أساقف * لها من أزاهير الرياض محاريب وأخذه ابن عبدون من قول ابن الرومي يصف روضا « 4 » : / وغرّد ربعيّ الذباب خلاله * كما حثحث النشوان صنجا مشرّعا وكانت أهازيج « 5 » الذباب هناكم * على شدوات الطير ضربا موقّعا وإنما اخترعه أوّلا عنترة بقوله « 6 » : فترى الذباب بها يغنّي وحده * هزجا كفعل الشارب المترنّم غردا يحكّ ذراعه بذراعه * فعل المكبّ على الزناد الأجذم

--> ( 1 ) ط : كتبت . ( 2 ) ط : القلت . ( 3 ) بيت البطليوسي في رفع الحجب 2 : 36 وسيأتي فيما يلي ص : 772 . ( 4 ) زهر الآداب : 742 ، وديوان المعاني 1 : 361 ، والسمط : 486 ، وتشبيهات ابن أبي عون 389 ، وديوانه : 1476 ( وفيه ص 1472 مزيد من التخريج ) . ( 5 ) الديوان : أرانين . ( 6 ) زهر الآداب : 740 ، والحيوان 5 : 513 ، وتشبيهات ابن أبي عون : 389 ، وديوانه : 197 - 198 ، وابن بسام يتابع في هذه القطعة ابن رشيق في قراضة الذهب : 69 - 70 .