ابن بسام
46
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الصف ، فلما رآني الخارجي أقبل نحوي وتحدثنا ، وقلت : إنّ معي زادا أحببت أن تأكله معي وما أريد قتالك ، فجعلنا نأكل على ظهور دوابّنا والناس يضحكون ، فلما استوفيناه ودّعني ، فلما انصرفت قلت لروح : قد كفيتك قرني فقل لغيري يكفيك قرنه . ثم خرج آخر يدعو إلى المبارزة فقال : اخرج إليه فقلت : / إنّي أعوذ بروح أن يقدّمني * إلى القتال فتخزى بي بنو أسد إن البراز إلى الأقران أعلمه * مما يفرّق بين الروح والجسد [ 11 أ ] إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم * وما ورثت اختيار الموت من أحد لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها * لكنّها خلقت فردا فلم أجد فضحك وأعفاني . رجع : ثم التوت بالمعتمد الحال أياما يسيرة ، والناس بحضرة إشبيلية قد استولى عليهم الفزع ، وخامرهم الجزع ، يقطعون سبلها سياحة ، ويخوضون نهرها سباحة ، ويترامون من شرفات الأسوار ، ويتولجون مجابي « 1 » الأقذار ، حرصا على الحياة ، وحذرا من الوفاة « 2 » ، فلما كان يوم الأحد الموفي عشرين من رجب المؤرخ ، دخل البلد على المعتمد بعد أن جدّ الفريقان في القتال ، واجتهدت الفئتان في النزال ، وفي أثناء تلك الحال ، وما كان يناجي باله من البلبال ، خاطب أبا بكر المنجم الخولاني بهذه الأبيات « 3 » : أرمدت أم بنجومك الرّمد * قد عاد ضدا كلّ ما تعد هل في حسابك ما نؤمّله * أم قد تصرّم عندك الأمد قد كنت تهمس إذ تخاطبني * وتخطّ كرها إن عصتك يد فالآن لا عين ولا أثر * أتراك غيّب شخصك البلد وتراك بالعذراء في عرس * أم إذ كذبت سطا بك الأسد الملك لا يبقى على أحد * والموت لا يبقى له أحد ثم أخرج المعتمد في ذلك اليوم إلى أن أطلقت إليه جمع أمّهات أولاده وبنيه ،
--> ( 1 ) ك : مجالي . ( 2 ) من حضور الوفاة . ( 3 ) ديوان المعتمد : 87 .