ابن بسام
47
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وكلّ ما « 1 » يختص به من أقاربه وذويه ، وعمر بهم مركب فركبوا / البحر ورزقوا السلامة فيه ، إلى أن وصلوا إلى أمير المسلمين وناصر الدين ، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين ، رحمه اللّه ، فبقوا هنالك في كنفه وذرى فضله ، تحت إحسان عميم ، وبذل نائل جسيم ، حتى انقرضت هنالك أيامه ، ووافاه حمامه ، بعد مرض شديد أصابه ، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ، وكان مولده في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين . ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب ، بعد عظيم سلطانه ، وجلالة شأنه ، فتبارك من له البقاء ، والعزّة والكبرياء . وبلغني أنه لما أحسّ بالوفاة ، رثى نفسه بهذه الأبيات « 2 » : قبر الغريب سقاك الرائح الغادي * حقا ظفرت بأشلاء ابن عبّاد بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا * بالخصب إن أجدبوا بالرّيّ للصادي نعم هو الحقّ وافاني به قدر * من السماء فوافاني لميعاد [ 11 ب ] ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه * أنّ الجبال تهادى فوق أعواد فلا تزل صلوات اللّه نازلة * على دفينك لا تحصى بتعداد ثم وصّى بأن تثبت على قبره . وتنازعت يومئذ لمّة من أهل الأدب بأغمات ، ورثوه بقصائد مطوّلات ، منهم أبو بحر ابن عبد الصّمد « 3 » ، رثاه بقصيد أوله « 4 » : / ملك الملوك أسامع فأنادي * أم قد عدتك عن السماع عواد لما نقلت من القصور فلم تكن * فيها كما قد كنت في الأعياد قبّلت في هذا الثرى لك خاضعا * وجعلت قبرك موضع الإنشاد وأنشد على قبره وفعل ما ذكر : قبل الترب « 5 » ومرّغ جبينه وعفّر ، فأبكى من حضر « 6 » .
--> ( 1 ) ك : من . ( 2 ) ديوانه : 96 ، والمعجب : 222 ، والأعلام 2 : 320 - 321 . ( 3 ) ترجمته في القسم الثالث : 809 . ( 4 ) أبياته في القلائد : 31 ، والنفح 4 : 224 ، 259 ، والأعلام 2 : 321 . ( 5 ) ك : القبر . ( 6 ) قارن بقوله في القلائد : « . . . وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه ، وخر على تربه ولثمه ، فانحشر الناس إليه وانجفلوا ، وبكوا لبكائه وأعولوا » .