ابن بسام
361
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
بحقيقة النفس ما جهله في وصفه لها قبل أنها « آل يذوب » وما أعجب أيضا قوله عن جسمه بأنّه صخرة خلقاء ، اللهم إلّا إن كان عنى بذلك رأسه لأنه كان يلقّب بالدّمغة « 1 » . وذهب هنا من صفة النفس إلى مذهب كلاميّ ، كقول بعض أهل بلدنا ، وهو أبو عامر ابن سوار « 2 » الشنترينيّ ، من جملة أبيات : يا لقومي دفنوني ومضوا * وبنوا في الطين فوقي ما بنوا ليت شعري إذ رأوني ميّتا * وبكوني أيّ جزءيّ بكوا أنعوا جسمي فقد صار إلى * مركز التعفين « 3 » أم نفسي نعوا كيف ينعون نفوسا لم تزل * قائمات بحضيض وبجوّ ما أراهم ندبوا فيّ سوى * فرقة التأليف إن كانوا « 4 » دروا / وهذا معنى فلسفيّ ، قلّما عرّج عليه عربيّ ، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء ، حين [ 93 ب ] ضاق عنهم منهج الصواب ، وعدموا رونق كلام الأعراب ، فاستراحوا إلى هذا الهذيان استراح الجبان إلى تنقّص أقرانه ، واستجادة سيفه وسنانه ؛ وقد قال بعض أهل النقد إنه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء ، أو بألفاظ الفلاسفة القدماء ؛ وإني لأعجب من أبي الطيب ، على سعة نفسه ، وذكاء قبسه ، فإنه أطال قرع هذا الباب ، والتمرّس بهذه الأسباب ، وكذلك المعرّي : كثر به انتزاعه ، وطال إليه إيضاعه ، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه ، وحسبك من شر سماعه ، وإلى اللّه مآله ، وعليه سؤاله . وإنما سلك عبد الجليل في هذا المعنى سبيل القائل حيث يقول : يا سالكا مرّ لا « 5 » يكلّمنا * عرّج أخبّرك خالص الفائد جسمك والنفس خلّتا عرض * وكل خلّ لخلّه قائد « 6 »
--> ( 1 ) لعل لهذا اللقب صلة بقولهم : « الدامغة » وهي الشجة التي تبلغ الدماغ ، وإن كنت أرجح أن اللقب يشير إلى ضخامة رأس عبد الجليل وأنه لذلك نبز عامي . ( 2 ) ط د ك : نوار . ( 3 ) د : التعيين . ( 4 ) ط م س : كان . ( 5 ) ط م : منزلا ( دون إعجام ) . ( 6 ) ط د م س ل : فائد .