ابن بسام

35

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

تقيها الحصون ، ولا يهتدي إليها الأرصاد والعيون ، ولكلّ شيء أمد مكتوب ، وميقات مضروب ، ويبلغ الكتاب أجله . فصل في ذكر المعتمد على اللّه محمد بن عباد واجتلاب جملة من شعره ، مع ما يتعلق من الأخبار السلطانية بذكره : قال ابن بسام : ثم استوسق الأمر بعد المعتضد لابنه المعتمد ، وكان مع اشتغاله بالحرب ، وسعة مجاله بين الطعن والضرب ، وعلى أنّ أباه عبادا ما انفكّ يدير عليه الرحى ، ويقرع إليه « 1 » كلّما قرعت عصا عصا ، حتى صار أسوة لنجوم ليلها ، وحلسا لمتون خيلها : لا يشرب الماء إلّا من قليب دم * ولا يبيت له جار على وجل « 2 » فقد كان متمسكا من الأدب بسبب ، وضاربا في العلم بسهم ، وله شعر كما انشقّ الكمام عن الزّهر ، لو صدر مثله عمّن جعل الشعر صناعة ، واتّخذه بضاعة ، لكان رائعا معجبا ، ونادرا مستغربا ، فما ظنّك برجل / لا يجدّ إلا رائثا ، ولا يجيد إلا عابثا ، وهو مع ذلك يرمي فيصيب ، ويهمي فيصوب ، وشعره يوضح ما شرح ويعبر عما ذكر ، مع أنّه قد رويت أشعار أولي النباهة والأعيان ، على قديم الزمان ، لشرف قائلها ، مع قلّة طائلها ، وقد رأيت أبا بكر الصوليّ أثبت لملوك بني أمية وخلفاء بني العباس ، ما لو صدر مثله لصغار الناس لاستهجن ، أو طرأ لضعفاء السوق لاستصغر ، فلنا في الصوليّ أسوة في إثبات هذا النوع من الشعر إن وقع في كتابنا هذا . [ 8 أ ] والعجب من المعتمد أنه مري سحابه في كلتا حاليه فصاب ، ودعا خاطره فأجاب ، ولا تراجع له من طبع ، ولا بعد الخلع ، بل يومه في هذا الشأن دهر ، وحسنته في هذا الديوان عشر ، فإن أجاد فما أولى ، وإن قصّر فعذره أوضح وأجلى . والبيت المتقدّم « 3 » من جملة قصيد ، للمخزومي أبي سعد « 4 » ، وإنما أشار في معناه

--> ( 1 ) يقرع ( من الثلاثي ) فيه معنى المشاورة ، وإذا كان مضارعا للرباعي ( أقرع ) : ففيه معنى الرجوع تقول : أقرع إلى الحق أي رجع ؛ ولولا شخصية المعتضد وما تنطوي عليه من الاعتداد لصح أن تكون القراءة « ويفزع إليه » . ( 2 ) البيت لأبي سعد المخزومي واسمه عند المرزباني ( معجم الشعراء : 98 ) عيسى بن خالد بن الوليد وقيل إنه دعي في مخزوم ( طبقات ابن المعتز : 295 - 298 ) وكان يهاجي دعبل بن علي الخزاعي ؛ وقد ورد بيته هذا في معجم المرزباني وديوانه : 53 . ( 3 ) ط : المقدم . ( 4 ) ك ط د م س : أبي سعيد .