ابن بسام

29

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

[ 6 أ ] فكم من عدّة قتّلت * منهم بعدها عدّه نظمت رؤوسهم عقدا * فحلّت لبّة السّدّه وأعجب المعتضد يومئذ بهذه القطعة الرندية ، عجب حسان بن ثابت بقصيدته الميمية « 1 » ، وأخذ الناس بحفظها ، وحملهم على ضبط معانيها ولفظها . / وعلى ذكرها وذكرهم ، فلنلمع بشيء من أمرهم . بدأ بغرب إشبيلية وبها عدّة رؤساء ، وجماعة خلفاء ، فكانوا دخان ناره ، وزبد « 2 » تيّاره ، إلا ما كان من ثبوت قدم قريعه المظفّر بن الأفطس ، فإنه نازعه لبوسها ، وعاطاه إلى آخر أيامه كئوسها ، ولهما في ذلك غير مجال وميدان ، وقد سرد قصصهما أبو مروان ابن حيان ، وسألمع بعيونها ، وأقلّب ظهورها لبطونها . جملة من حروبه مع المظفر وغيره من أمراء الغرب قال ابن حيان « 3 » : وأول ما ظهر من تفاسد عباد والمظفر أن ابن يحيى صاحب لبلة عند هجوم عبّاد عليه استجار بالمظفّر بن الأفطس ، فأجاره وانزعج له ، ووصل يده وعطّل ثغره ، وجمع جيشه « 4 » وأقبل إلى لبلة ناصرا لابن يحيى ، مضيعا لمن خلفه يوقد نار فتنة كان في غنى عنها ، حتى نزل بنفسه على ابن يحيى ودافع ابن عبّاد عنه ، وحرّك في ذلك من حلفائه البرابرة جماعة ، فسارعوا إليه غير ناظرين في عاقبة أمرهم ، وتقدّموا في تحريك يعسوبهم محمد بن القاسم فانتظم به أمرهم ، وتقدّم بهم إلى إشبيلية ورحاهم تدور على قريعهم باديس بن حبّوس ، مدرههم في الجليّ ومفزعهم في النائبة ، يسلّمون لرأيه ويزحمون بركنه ، فأشفق الوزير ابن جهور من حركتهم تلك ، على عادته في التقلقل لأمثالها ، وجهد جهده في صرفهم ، وأرسل ثقات رسله إلى عامّتهم ، إلّا ما كان من الدائلين منهم عبّاد داعية المروانية ومحمد بن إدريس صاحب مالقة دائل الحمودية ، فإنّه تنكّبها / بعادا من الظنّة ، إذ كان هو وجماعة قرطبة

--> ( 1 ) لعله يعني قصيدته التي يقول فيها : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ( 2 ) البيان : وجرية . ( 3 ) البيان 3 : 209 . ( 4 ) ك : شمله .