ابن بسام

265

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

بالزريزير ، لقد صغّر للتكبير ، كما قيل « حريقيص » « 1 » ، وسقطه / يحرق الحرج ، و « دويهية » « 2 » وهي تلتهم الأرواح والمهج ؛ ومعلوم أنّ هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور في فهم التلقين ، وحسن اليقين ، فإذا علّم الكلام لهج بالتسبيح ، ولم ينطلق لسانه بالقبيح ، ثم تراه يقوم كالنصيح ، ويدعو إلى الخير بلسان فصيح ، فمن أحبّ الاتّعاظ ، لقي منه قسّ إياد بعكاظ ، أو مال إلى سماع البسيط والنشيد ، وجد عنده نخب الموصليّ للرشيد ، فطورا يبكيك بأشجى من مراثي أربد « 3 » ، وحينا يسلّيك بأحلى من أغاني معبد ، فسبحان من جعله هاديا خطيبا ، وشاديا مطربا مطيبا « 4 » . ولما طار ببلاد الغرب ووقع ، وزقا « 5 » في أكنافها وصقع ، وعاين ما اتّفق فيها هذا العام من عدم الزيتون ، في تلك البطون والمتون ، أزمع عنها فرارا ، ولم يجد بها قرارا ، لأن هذا الثمر بهذا الأفق هو قوام معاشه ، وملاك انتعاشه ، إليه يقطع ، وعليه يقع ، كما يقع على العسل الذباب ، وتقطع إلى العراد الضّباب « 6 » ، فاستخفّه هائج التذكار ، نحو تلك الأوكار ، حيث يكتسي ريشه حريرا ، ويحتشي جوفه بريرا ، ويحتسي قراحا / نميرا ، ويغتدي على رهطه أميرا . فخذه إليك ، نازلا لديك ، ماثلا بين يديك ، يترنّم بالثناء ، ترنّم الذباب في الرّوضة الغنّاء ، وقد هزّ قوادم الجناح ، لعادة الاستمناح ، وحبّر من لمع الأسجاع ، ما يصلح للانتجاع ، واثقا بأنّ ذلك القطر النّاضر ستنفحه حدائقه ، ولا تلفحه ودائقه ، لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه ، وفرض حياضه ، مع أنه لا يعدم في جنابك حبّا نثيرا ، وخصبا كثيرا ، وعشّا وثيرا [ 68 أ ] : فإذا ما أراد كنت رشاء * وإذا ما أراد كنت قليبا

--> ( 1 ) فيه إشارة إلى قصة أوردها القالي في أماليه ( 1 : 65 ) وهي أن الأصمعي وقف على غلام من بني أسد اسمه حريقيص فقال له : أما كفى أهلك أن يسموك حرقوصا حتى حقروا اسمك ؟ فقال : إن السقط ليحرق الحرجة . ( 2 ) وردت دويهية مصفرة للتعظيم في قول لبيد : وكل أناس سوف تدخل بينهم * دويهية تصفر منها الأنامل ( 3 ) يعني مراثي لبيد في أربد أخيه . ( 4 ) مطيبا : سقطت من س ل . ( 5 ) م ط د س ل ك : ورقا ( ورقى ) ؛ النهاية : ورقي . ( 6 ) فيه إشارة إلى قول الراجز في الضب : لا يشتهي أن يردا إلا عرادا عردا والعرادة : شجرة صلبة العود .