ابن بسام

25

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

جلاء العين مبهجة النفوس * حدائق أطلعت ثمر الرؤوس هناك اللّه مهديّ المساعي * جنى الهامات من تلك الغروس فلم أر قبلها وحشا جميلا * كريه روائه أنس الأنيس فما ذا يملأ الأسماع منها * إذا ملئت من أنباء الطروس وقد كانت لعبّاد وراء هذه الحديقة المالئة قلوب البشر ذعرا ، مباهاة بخزانة بلوى ، أكرم لديه من خزانة جوهره ، مكنونة جوف قصره ، / أودعها هام الملوك الذين أبادهم بسيفه ، منها رأس محمد بن عبد اللّه البرزيلي شهاب الفتنة ، ورؤوس الحجّاب ابن خزرون وابن نوح وغيرهم الذين قرن رؤوسهم برأس إمامهم الخليفة يحيى بن علي بن حمود ، سابقهم إلى تلك الرفعة « 1 » ، فخصّ رؤوسهم بالصون بعد إذالة جسومهم الممزّقة ، وبالغ في تطييبها « 2 » وتنظيفها للثواء لا للكرامة ، وأودعها المصاون الحافظة لها ، فبقيت عنده ثاوية تجيب سائلها اعتبارا ؛ انتهى كلام ابن حيان . قال ابن بسّام : فلما افتتحت إشبيلية وخلع المعتمد ، حدّثت أنّه وجد جوالق مطبوع عليه « 3 » ، وظنّ أنه مال أو ذخيرة ، فإذا هو مملوء رءوسا ، فأعظم ذلك وهال أمره ، فدفع كلّ رأس منها لمن كان بقي من عقبهم بالحضرة ، أخبرني من رأى رأس يحيى بن علي بن حمود يومئذ ثابت الرسم متغيّر الشكل ، فدفع إلى بعض ولده فدفنه . قال ابن حيان « 4 » : وكان عباد أوتي أيضا من جمال الصورة ، وتمام الخلقة ، وفخامة الهيئة ، وسباطة البنان ، وثقوب الذهن ، وحضور الخاطر ، وصدق الحسّ ، ما فاق أيضا به على نظرائه . ونظر مع ذلك في الأدب ، قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان ، أدنى نظر بأذكى طبع ، حصل منه لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعهّد لها ، ولا إمعان في غمارها ، ولا إكثار من مطالعتها ، ولا منافسة في اقتناء صحائفها ، أعطته نتيجتها على ذلك ما شاء من تحبير الكلام ، وقرض قطع من الشعر ذات طلاوة ، في معان أمدّته فيها الطبيعة ، وبلغ فيها الإرادة ، واكتتبتها / الأدباء للبراعة - جمع هذه الخلال الظاهرة والباطنة إلى جود كفّ بارى بها السحاب . وأخبار عباد في جميع أفعاله وضروب أنحائه

--> ( 1 ) البيان : الوقعة ؛ وقد تقرأ في ط كذلك . ( 2 ) س : تطبيقها . ( 3 ) ك : عليها . ( 4 ) نقل لسان الدين بعض هذا النص في أعمال الأعلام : 155 .