ابن بسام
215
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فلما أشرفت على التمام ، وآذنت بالانصرام ، راسلوني في تماديها فساعدت ، وأرادوني على اتّصالها فانفعلت وأنفذت ، وانعقد بيننا عقد بولغ في تأكيده ، وتنوهي في إحكام مواثيقه وعقوده ، / ولم تكد صحيفته تطوى ، ولا شهيده يتولّى ، حتى غدروني في الحصن الفلاني باستنامة من كان فيه من قبلي إلى السلم ، وإضاعته استشعار الحزم ، فلم أعجل بالتنكّر ، ولا سارعت بالتنمّر ، ورأيت الاستيناء ، وآثرت الاستبقاء ، رجاء أن يفكروا في العواقب ، فيفيئوا « 1 » إلى الواجب ، ويعطفوا [ 55 ب ] إلى الرأي الصائب ، وأعدت إليهم من أمكنني إعادته من السّفراء ، فلقوا منهم بدهة « 2 » وإباء ، والتواء وانزواء ، ولما رأيت ذاهب رشادهم لا يرجع ، ودواء استصلاحهم لا ينجع ، وثأى نصفتهم « 3 » لا يرأب ، وغائب فيأتهم لا يرتقب ، عملت على الإيثار ، واستجمعت لذي الانتصار ، وسقيتهم بمثل كاسهم ، ورميتهم عن نظائر قياسهم ، فلم يطل أمد ، ولا كثر من ماضي الأيام عدد ، حتى حصل من وجوه قوادهم ، ورؤوس أجنادهم ، فلان وفلان ، إلى ستة وعشرين « 4 » رجلا أحيط بهم أسرا « 5 » ، وتقبّض عليهم طرّا ، وجعلوا قراهم البثّ واللّهف ، وأبا مثواهم الهون « 6 » والخسف . وله من أخرى عنه : شرّ الناس لنفسه من جهل مقدارها ، ولم يتّهم اختيارها ، وقفا إذا شرهت وعميت آثارها ، وطار بجناح طمعها ، إلى / ذميم طبعها ، واتّبع رائد جشعها « 7 » ، إلى وخيم مرتعها ، وعاد إلى الصالح من خلطائه فاستفسده ، وإلى الصفي فأحقده ، وإلى المستنيم فأوحشه وشرّده ، ولا سيما في حال تحضّ على استدناء البعداء ، وتبعث على مصادقة الأعداء ، ومع نصبة قد أنذرت بمآلها ، وحذّرت من بغتة اغتيالها ، بل واللّه قد نفحت رجومها ، ولفحت سمومها ، وصرّح بالبأساء شومها . وليس يذهب عنك أنّي ، بما أشرت إليه ودرت حواليه ، إلى صاحب طليطلة ناظر ، وإلى قبح ما عاملني به شاهر ، وذلك أنه منذ زمن يتمرّس بجانبي ، ويقوم في وجه ما لا
--> ( 1 ) ط ل : فيعسوا . ( 2 ) البدهة : المباغتة والمفاجأة ؛ س ط د ل ك : بديهة . ( 3 ) م ط د س ل : وثاني ؛ ط : نصيفتهم . ( 4 ) خ بهامش ط : تتمة عشرين . ( 5 ) م ط ل : أسرى . ( 6 ) ط : الجهون وفوقها « كذا » ، وشكلها قريب من ذلك في م س ل . ( 7 ) س م ط د ل : خشعها .