ابن بسام

195

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

في نصرة الدين لا أعدمت نصرته * تلقى النّصارى بما تلقى فتنخدع تنيلهم نعما في طيّها نقم * سيستضرّ بها من كان ينتفع وقلّ ما تسلم « 1 » الأجسام من عرض * إذا توالى عليها الريّ والشّبع لا يخبط الناس عشوا عند مشكلة * فأنت أدرى بما تأتي وما تدع هذا مدح غرور ، وشاهد زور ، وملق معتف سائل ، وخديعة طالب نائل ، وهيهات ! ! بل حلّت الفاقرة بعد بجماعتهم « حين أيقن النصارى بضعف المنن « 2 » ، وقويت أطماعهم بافتتاح المدن ، واضطرمت في كلّ جهة نارهم ، ورويت من دماء المسلمين أسنّتهم وشفارهم ، ومن أخطأه القتل منهم فإنما هو بأيديهم سبايا ، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا ، حتى دنوا مما أرادوه من التوثّب ، وأشرفوا على ما أمّلوه من التغلّب » « 3 » . وحصلت مدينة قورية وسرته أوّلا في يد العدوّ ، إلى عدّة حصون وقلاع ، كلّها في غاية من الحصانة والامتناع ، ثم لم يزل التخاذل يتزايد ، والتدابر يتساند ، حتى حلّت الفاقرة ، وقضيت القضيّة ، وتعجّلت البلية ، بحصول مدينة طليطلة في أيدي النصارى ، وذلك في سنة ثمان وسبعين ، وهي من الجزيرة كنقطة الدائرة ، وواسطة القلادة ، تدركها من جميع نواحيها ، ويستوي في الإضرار بها قاصيها ودانيها . وفي ذلك يقول / بعض الشعراء « 4 » : حثّوا مطاياكم عن أرض أندلس * فما المقام بها إلا من الغلط [ 50 ب ] فالثوب ينسل من أطرافه وأرى * ثوب الجزيرة منسولا من الوسط ولعمري لو « 5 » قضى بالسّماع على العيان ، واستغنى بالإقناع عن البرهان ، واطمأنّ قلبه إلى التمويه ، وقد رآه محضا لا شكّ فيه ؛ لكان كلام الداني أبي بكر ، في ذلك المعنى المتقدّم الذكر ، برتبة ذلك أليق ، وفي حلبته أجمح وأسبق ، حتى لو سمعه الحارث بن هشام ، لعلم أنّه قد ترك في حمد المذموم ، ومعارضة الصحيح بالسقيم ، طلقا شاسعا ، ومجالا واسعا .

--> ( 1 ) ط م س : تسام . ( 2 ) ط د : المتن . ( 3 ) وضعنا هذا النص بين أقواس ، لأنه سيرد من بعد في رسالة لمحمد بن أيمن ، فهو ليس من كلام ابن بسام ، وإنما أورده مقتبسا . ( 4 ) هو ابن العسال الزاهد عبد اللّه بن فرج اليحصبي ، انظر : النفح 4 : 352 ، وأزهار الرياض 1 : 46 . ( 5 ) في النسخ : لقد .