ابن بسام

196

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وأوّل من حسّن الفرار ، فما وقع ولا طار « 1 » ، الملك الضّليل حيث يقول « 2 » : وما جبنت خيلي ولكن تذكّرت * مرابطها من بربعيص وميسرا « 3 » ثم تتابع الشعراء في خدع العقول ، بالتمويه المستحيل ، فمن محسّن برّز ، ومن مقصّر عجّز ، ومن أحسن ما ورد في ذلك قول حسان « 4 » : / نولّيها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغث أو لحاء « 5 » ونشربها فتتركنها ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء الأبيات ، حتى قال الحارث بن هشام قطعته في حسن الفرار ، التي صارت نهاية في العجب ، وشهادة في تحسين نتائج الهرب ، وهي قوله « 6 » : اللّه يعلم ما تركت قتالهم * حتى علوا فرسي بأشقر مزبد ونشيت ريح الموت من تلقائهم * في مأزق والخيل لم تتبدّد وعلمت أني إن أقاتل واحدا * أقتل ، ولا يضرر عدوّي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم سرمد وسمعها بعض العجم فقال : قاتلكم اللّه معشر العرب ، حسّنتم كلّ شيء حتى الفرار . ومن أسحر « 7 » ما ورد في ذلك للألباب ، وأخدعه عن الصواب ، قول ابن الرومي في سوداء ، وقد تقدم في ما مرّ من الكتاب « 8 » : أكسبها الحبّ أنها صبغت * صبغة حبّ القلوب والحدق

--> ( 1 ) م : عار . ( 2 ) ديوان امرئ القيس : 70 . ( 3 ) قيل : إن بربعيص بنواحي حلب ؛ وفيها وفي ميسر كانت وقعة فيما يبدو . ( 4 ) ديوان حسان 1 : 17 . ( 5 ) المغث : القتال ؛ اللحاء : السباب ؛ ألمنا : فعلنا ما نلام عليه . ( 6 ) حماسة البحتري : 50 ، ونسب قريش : 302 ، والسيرة 2 : 18 ، والعقد 1 : 40 . ( 7 ) م : أبهر . ( 8 ) انظر : زهر الآداب : 230 ، وتشبيهات ابن أبي عون : 236 ، والقسم الأول من الذخيرة : 150 ، والغيث 2 : 160 .