ابن بسام

152

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

لا يزال الدهر ينثرها ، وأيدي الثناء تنشرها ، فكم من علق نفيس شافهني منها بلسان بغداد وعدن ، ولا حظني بمقلة مصر واليمن ، وأيم اللّه : لقد ابتسمت إليّ نجوم السّماء ، ودان لها تفويف كلّ روضة غنّاء ، وتحدّث بها الكرم المحض ، وأشاد بذكرها الثّناء الغضّ ، وحقّ لهدية أهدتها أناملك المستهلّة السحائب ، وجادت بها راحتك الثّرة المواهب ، أن يعنو لها القمران ، ويحاسن بها زماننا كلّ زمان ، فلو أنّ البحر عاينها طاميا لما ساجلك ، والغمام شاهدها هاميا لما طاولك . وله من جواب على كتاب عتاب : المودّات - أعزّك اللّه - إنما تثبت دلائلها ، وتصحّ مخايلها ، بمضمرات الفؤاد ، لا بمزوّرات المداد ، وبمعتقدات الحقائق ، لا بمعهودات البطائق ، وفي علمه تعالى أنّي من الاعتداد بمجدك ، والاعتلاق بحبل ودّك ، والإسناد إلى كرم عهدك ، بمنزلة لا يتعاطى إدراكها أحد ، ولا تطول يد صفائي فيها يد ، وفي نفسك النفيسة من ذلك أعدل شاهد ، وأصدق رائد . وقد ورد كتابك ففضضته « 1 » عن مثل عقارب لاسبة ، وسهام نافذة صائبة ، من عتاب صدع قلبي ، وفتّ في عضدي ، وتقريع لم أقف ببابه ، ولا جذبت بأسبابه ، ومعاني العتاب « 2 » - أعزّك اللّه - إذا وردت على سليم منها ، نزيه عنها ، متحفّظ من وقوعها ، متحرّز من جميعها ، أساءت / ظنّه ، وأطالت فكره ، وأشغلت سرّه ، ولا سيما على بعيد الدّار ، نائي المحلّ ، مشتاق إلى الإخوان ، متأسّف على فقد الخلصان ، مستشعر حرمانا لزم ، وزمانا جار وظلم . وأما الهنات التي أطلقت عنان العتب عنها في ميدان فسيح ، وجريت في إيرادها جري الشفيق النصيح ، فليست بهنات مخلقة لعرض ، ولا قاطعة عن فرض ، وربما غيّرت عندك صفتي فتنكرت عليك ، ومثلك من حكّم الخبر على الخبر ، وقنع بالعين دون الأثر . وله من أخرى عن ابن هود إلى ابن ذي النون [ 40 أ ] يشكره بإطلاق ابن غصن « 3 » من السجن : كتابي - أيّدك اللّه - كتاب أعريته من ذكر الوداد ، وعدلت فيه عن وصف الاعتقاد ، خرقا لعادة المتودّدين ، وصفحا عن طريق المتصنّعين ، على أني - علم اللّه - في

--> ( 1 ) م ط س : وفضضته . ( 2 ) ط : الكتاب . ( 3 ) كان المأمون بن ذي النون قد سجن أبا مروان ابن غصن الحجاري ، انظر أخباره في القسم الثالث : 331 وما بعدها .