ابن بسام
620
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
أطلعت ذكرك لما غبت وابنك في * أفق العلا نيّري هدي وإرشاد لما ملأت دلاء المأثرات إلى * أكرابها واحتبى في حلمك النادي وطبّقت بك آفاق العلا همم * زانت مطالع آباء وأجداد غضّت عنانك أيدي الدّهر ناسخة * علما بجهل وإصلاحا بإفساد لا درّ درّ ليال غوّرتك ولا * سقى صداها غريض الرائح الغادي فما سمعنا ببحر غاض في جدث * وكان ملء الرّبى [ 1 ] يرمي بأزباد ولا بطود رسا تحت الثرى وسما * على السّها حملوه فوق أعواد أعجوبة قصّرت من خطو كلّ حجى * فلم يكن في قوى منها [ 2 ] ولا آد لقد هوت منك خانتها قوادمها * بكوكب في سماء المجد وقّاد ومقرم كان يحمي شول قرطبة * أستغفر اللّه لا بل شول بغداد ومنها : من للعلوم إذا ما ضلّ ناشدها * في ظلمة الشكّ بعد النيّر الهادي ؟ من للحديث إذا ما ضاق حامله * ذرعا بمتن وإيضاح وإسناد ؟ من للتّلاوة أو من للرّواية أو * من للبلاغة بعد العاد والبادي ؟ شقّ العلوم نظاما والعلا زهرا * ثبين ما بين روّاد وورّاد مضى فللّه ما أبقت وما أخذت * أيدي الليالي من المفديّ والفادي ! وهذه القصيدة طويلة سلك فيها أبو محمد طريقته في الرّثاء ، إلى الإشارة والإيماء ، بمن أباده الحدثان من ملوك الزّمان ، وقد نسق ذكرهم على توالي أزمانهم في قصيدة [ اندرج له كثير من البديع فيها ] ؛ هي ثابتة في أخباره في القسم الثاني من هذا المجموع . واقتفى أبو محمّد أثر فحول القدماء ، من ضربهم الأمثال في التّأبين والرّثاء ، بالملوك الأعزّة ، وبالوعول الممتنعة في قلل الجبال ، والأسود الخادرة في الغياض ، وبالنّسور والعقبان والحيّات في طول الأعمار ، وغير ذلك مما هو في أشعارهم موجود ، فأمّا المحدثون فهم إلى غير ذلك أميل ، وربّما جروا أيضا على السنن الأوّل . وممّن رثاه يومئذ الكاتب أبو الوليد أحمد بن عبد اللّه بن طريف أحد كتّاب العصر ،
--> [ 1 ] ب م : الملا . [ 2 ] ب م : منه .