ابن بسام

616

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وغير ذلك من كتب الحديث وتفسير القرآن [ 1 ] مما لم يحضرني ذكره ، ولم يمكن حصره ، إذ كانت قبل فتحها عليه ، وإصلاحها بين يديه ، طامسة الأعلام ، مختلة النّظام ، وقد سدّ التّصحيف طرقها ، وعوّر التبديل نسقها ، ففتح / مستغلقها ، ونظم مفترقها ، وعانى خللها ، وأزاح عللها ، وقيّد مهملها ، وأبرز محاسنها ، وأثار كمائنها ، وأعتقها من هجنة التعطيل فرغب في استعمالها ، وأطلقها من ربقة الخمول فحرص على حملها وانتحالها ، فلو رأى ذلك الواضعون لها وشاهدوه لسلموا له وأذعنوا ، وصرحوا بفضل شفوفه عليهم وأعلنوا . ولقد أذهب اللّه بذهابه خيرا كثيرا ، وأطفأ بوفاته سراجا منيرا . وكانت وفاته ليلة الجمعة لثمان خلون [ 2 ] الذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة [ 3 ] ؛ ومولده كان في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه سنة سبع وأربعمائة [ 4 ] وكان رحمه اللّه في اعتلاء سنّه حسن البنية ، ممتعا بحواسه وتوقّد ذهنه وسرعة خاطره ، يقرأ دقيق الخط ، ويثابر على المطالعة ويدأب عليها ، ولا يخلّ بحظه منها ، ويقرأ عليه مستغلق الكتب ، وعويص المعاني وغامضها ، فينكر وهم القارئ ويحسن الرّد عليه ؛ ختم اللّه به علم اللسان ، كما ختم به وبأبيه قبله أفاضل أهل الزّمان . ودفن عصر السّبت التاسع [ 5 ] من ذي الحجة المؤرخ ، وصلّى عليه ابنه الوزير الفقيه أبو الحسين سراج بن عبد الملك ، تاليه في الفضل وكرم الخلال مع سري الخصال ، وحائز ميراث مفاخره الجمة . وكان يومه حافلا مشهودا ، والأسف في الخاصة والعامة عليه شديدا ، والثناء حميدا ، وتناغت لمة أهل الأدب من الآخذين عنه والمقتبسين منه وغيرهم في تأبينه ورثائه ، / فأكثروا وأجادوا ، وأبدوا وأعادوا ؛ منهم الشيخ الفقيه أبو بكر ابن خازم [ 6 ] وبقية الأعيان - كان - في ذلك الأوان من أهل قرطبة وذوي السوابق النّبيهة فيهم ، رثاه بقصيدة أولها [ 7 ] :

--> [ 1 ] ط : وغير ذلك من الكتب . [ 2 ] ط : لثلاث خلون ؛ وعند ابن بشكوال : ليلة عرفة . [ 3 ] ب م : سنة خمسمائة . [ 4 ] في الصلة : سنة أربعمائة . [ 5 ] ط : الرابع . [ 6 ] ط : ابن حازم ؛ وهو خازم بن محمد بن خازم ( 410 - 496 ) قرطبي غلب عليه الأدب وكان له تصرف في اللغة ولكنه لم يكن بالضابط لما رواه ( الصلة : 178 ) . [ 7 ] ط : قال فيها .