ابن بسام

615

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

يفارقوا مع تزلزل الأقدام ، وتقلّب الأيّام ، وذهاب السّلطان ، وتضعضع الأركان ، مركزهم من الصّيانة ، ولا أخلّوا بكريم عادتهم من التحلّي بها ، والتزيّي بباهر رونقها ، ولا انحطّوا عن رفيع مرتبتهم من نفاسة المأخذ والسيرة التي آثروها ، ولا انسلخوا من حلّة القناعة ، إلى أن درج من درج منهم ، وستر التّجمل ضاف لديه ، وظلّ الجلالة مكتنف له ومشتمل عليه . ثمّ نشأ هذا الشيخ أبو مروان فيهم محيي [ رسم ] علم اللّسان بجزيرة الأندلس ومقيم أوده ، ومسدّد زيغه ، ومثقف معوّج قناته ، وموضّح معضله ، ومجلّي غياهب مشكله ، وجامع مفترق أدواته ، وحاوي قصب السبق في إحراز بعيد غاياته ، وتجاوز أقصى نهاياته ، وأعلم به من كلّ من شدّت إليه الأقتاب ، وأنضيت في طلب ما عنده الرّكاب ؛ ولقد كان في ذلك كلّه آية من آيات اللّه معجزة ، وندرة من ندرات الأيّام معجبة ، ونورا ساطعا ، وجوادا سابقا ، مع متانة الدّين ، وصحّة اليقين ، وجلالة المأخذ ، وجزالة المقطع ، وصلابة القناة في الحقائق ، وقلّة الإدهان فيها ، / وملازمة الجدّ في جميع الأحوال ، ومشهود [ 1 ] الثّقة فيما يتقلّده ، وبراعة الإيجاز فيما يلقيه ويورده ، وحسن التأدية ، وقرب الإفهام ، وتذليله كلّ صعب المرام ، والتّبيين في الرّدّ والإقناع في الجواب ، وترك الجدال والمراء ، والبعد عن العجب والخيلاء ؛ لعظيم ما كان يحمله ، وجليل ما ينتخله ، وخطير ما يشتمل عليه صدره ، ويجيش به بحره ، ويسخو به ذكره ، وتفيض به موادّ معرفته ، وتنهلّ به أهاضيب علمه ، وتسحّ به شآبيب إحاطته ، ثم لا يزال مع ذلك دهره يعترف بالتّقصير ، وينتسب إلى التّعذير ، ويعلم أنّ الإحاطة معجزة ، وأنّ محاولتها معوزة . سبق بهذه الخلال الحميدة من سلف ، وأيّس [ 2 ] بإدراك بعضها من خلف ، لم ير قبله مثله ، ولا يرى بعده ، واللّه أعلم . وأحيا كثيرا من الدّواوين الشهيرة الخطيرة ، التي أحالتها الرّواة الذين لم تكمل لهم الأداة ، ولا استجمعت لديهم تلك المعارف والآلات ، واستدرك فيها أشياء من سقط واضعيها ، ووهم مؤلفيها ، ككتاب البارع لأبي عليّ البغدادي ، وشرح غريب الحديث للخطّابي وقاسم بن ثابت السّرقسطي ، وكتاب أبيات المعاني [ 3 ] للقتبي ، وكتاب النّبات لأبي حنيفة وكتاب الأمثال للأصبهاني

--> [ 1 ] ب م : ومشهور . [ 2 ] ب م : وأيأس . [ 3 ] ب م : وكتاب المعاني .