ابن بسام

614

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فصل في إيراد أشعار رثي بها الوزير الفقيه أبو مروان ابن سراج [ 1 ] رحمه اللّه بحضرة قرطبة مع ما يتشبث بها ويذكر بسببها : وهي جملة قصائد لغير واحد من أهل العصر ، منهم من يأتي ذكره / فيما بعد ، ومنهم من لم يسمح بإثبات شعره النّقد . وقد وجدت الكاتب أبا الوليد ابن طريف [ 2 ] قد أثبت في جزء لطيف جملة هذه القصائد ، ولم يسلك فيها أسلوب ناقد ، ضنانة منه بحظّها من التّسامي بالمؤبّن بها ، وتثبيتا لذكر اسمه المطرّزة به حواشيها ، فنشر طيّ كلّ نسيجة عن منوالها ، وأثبتها بحالها . وقد أثبتّ أنا منها ما يليق بالكتاب ، فرارا من الاطناب ؛ وسردت الفصل الذي أدار أبو الوليد عليه رحاه ، وقدّمه صدقة بين يدي نجواه . قال أبو الوليد : وكان أبو مروان عبد الملك بن سراج فذّ العصر ، وعلم الفخر ، وبقيّة حسنات الدّهر ، ونخبة أهل التّقدم في شرف النّصاب ، وكرم الأحساب ، ونسبه في كلاب بن ربيعة ؛ أصاب سلفه سباء قديم صيرهم أوّلا في ولاء بني أميّة بالمشرق ، فكانوا في عداد مقدّمة الموالي المروانيّين ، وصدرا في عظمائهم ، ثمّ اتصلت نباهتهم بالأندلس يرثها خالف عن سالف ، ويخلفها عن تالد طارف ، مع صيانة وعفّة وكرم طعمة ، وعلوّ نفس وشرف همّة ، وعدول عن خدمة السّلطان ، وتنزّه عن التّصرّف فيها والامتهان ، وانحياش إلى طلب الدّيانة وانحطاط في شعب طريقة السّلف الصالح ؛ ويؤثر أن سراج ابن قرّة الكلابي [ 3 ] صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو جدّهم الذي / إليه ينتمون ، وناهيك بذلك شرفا مؤثّلا ، وفخرا خالدا مؤبّدا ؛ فتمسّكوا بالانقباض عن التكالب [ 4 ] على الدنيا ، على أنها كانت متصدّية لهم لو جنحوا إليها ، ومعرّضة لهم لو أقبلوا عليها ، بل اقتصروا على مكاسبهم الطيّبة وترقيح رفيع معايشهم ، من فاشي ضياعهم المنتشرة المغلّة ، مقتعدين غارب الوقار والتجلّة ، أيّام الصلاح وزمان الجماعة ؛ ثم استمرّوا على طريقتهم تلك في مدّة الفتنة وأمد المحنة ، عند تقلّص الأموال ، وذهاب الأحوال ، وفشوّ الاختلال ، لم

--> [ 1 ] ترجمته في الصلة : 346 ، والقلائد : 190 ، والخريدة 2 : 374 ، وترتيب المدارك 4 : 816 ، والمغرب 1 : 115 ، والديباج المذهب 157 ، وبغية الوعاة : 312 . [ 2 ] هو أبو الوليد أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن طريف بن سعد ، روى عن شيوخ قرطبة ومن بينهم أبو مروان ابن سراج وابن حيان ، وكان أديبا نحويا لغويا كاتبا بليغا ، وهو أحد شيوخ ابن بشكوال ، وكانت وفاته سنة 520 ( الصلة : 79 - 80 ) . [ 3 ] ذكر القاضي عياض أنه « قوة » بالواو ، وهو سراج بن قوة بن رفعي بن الكاهن ( ترتيب المدارك : 816 ) . [ 4 ] ب م : التهافت .