ابن بسام
323
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
يهودي جاء لا مرجة السوق عندهم ، ماراه [ 1 ] في بعض الأمر ، فزعم أنّه سبّ الشريعة ، فبطش به المسلم وسط السوق وجرحه وحرّك عليه العامّة ، فقبض عليه صاحب المدينة عبد اللّه بن سلام واعتقله ، فكان لعامة الناس في إنكار حبسه كلام وإكثار خشي وباله ، فخاطب السلطان بقرطبة ( يعرفه ) ما كان منه ويستأمره في شأنه ، فعجل إنفاذ ولده الحاجب سراج الدولة إلى إشبيلية في جيش كثيف من نخبة علمائه ووجوه رجاله ، لمشارفة القصّة ، والاحتياط على العامّة ، فغدوا معه وسط هذا اليوم ، وأنفذ معه ذا الوزارتين أبا الوليد ابن زيدون أحد الثلاثة كابري وزرائه المثنّاة وزارتهم ، عمد دولته ، ( ألزمه ) [ 2 ] النفوذ مع الحاجب على بقية وعك كان متألما منه ، لم يعذره في التوقف من أجله . فمضى لطيّته مسوقا إلى منيته ، وخلّف ولده أبا بكر الفذّ الوزارة ، المرتسم بالكتابة وراءه ، سادا مكانه بالحضرة ، فأقر فيها أياما ، ثم أمر بالمسير وراء والده لأمر كلّفه ، أعجل بالانطلاق له ؛ فمضى بعينه غداة يوم السّبت لثمان خلون من المحرّم سنة ثلاث وستين بعدها . فخلت منهم منازلهم بقرطبة وصيرت إلى سواهم ، فتحدّث الناس بنبوّ مكان الأديب ابن زيدون لدى السلطان ، وأنّ استمساكه بعليّ مرتبته ، بعد مختصه المعتضد باللّه ، كان من المعتمد على اللّه رعاية لخصوصيّة ابنه / به ، يغصّ باستمرارها ثقتاه المختصّان به ، الحظيان لديه ، المستهمان لخاصته : ابن مرتين وابن عمار ، إلى أن عملا في إبعاده وإبعاد ابنه الرقيب بعده ، فأمضي خلفه ، فعندها استساغا غصّته ، واستهما مكانه ، واحتويا على خاصّة السلطان وتدبير دولته ؛ ولكلّ دولة رجال ، ولكل مكتف أبدال . ولم يطل الأمد بابن زيدون - رحمه اللّه - بعد لحاق ابنه به ، ووجدانه إياه متزايدا في مرضه ، نازحا عن ألّافه ، على جهده في استدعائها على انتهاء المدّة ، وانتهاك القوّة ؛ فاستقرّ به وجعه إلى أن قضى نحبه ، وهلك بدار هجرته إشبيلية صدر رجب سنة ثلاث وستين ، فدفن بها مشهودا مفتقدا ، واحتوى تربها عليه ، فيا بعد ما بين قبره وقبر أبيه لدينا ، رحمة اللّه عليهما ؛ فقد تولى من أبي الوليد كهل لن يخلف الدهر مثله جمالا وبيانا وبراعة ولسانا وظرفا ، وحلولا من مراتب البلاغة - نظما ونثرا - بمرقبة لم يخلف لها بعده عاطيا ، بقرانه بين الكلامين ، وبراعته في الفنين ، إلّا أن يكون عند أولي التحقيق
--> [ 1 ] ب س : ما أراه . [ 2 ] زيادة من نسخة دار الكتب .