ابن بسام

324

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

والتحصيل في النظم أمدّ طلقا ، وأحثّ عنقا ، فلا يلحقه فيه تقصير ولا يخشى رهقا ، أشهاده في الفنين عدول مقانع حضور عند أهل المعرفة . لقد اتّصل خبر هلكه بعشيرته أهل قرطبة فتناعوه ، وسيئوا لفقده ، وحزنوا عليه ، إذ كان منهم ، متعصبا لهم ، هاويا إليهم ، حدبا عليهم ، وليجة خير بينهم وبين سلطانهم الحديث الولاية ، فصار مصابه لديهم كفاء ما اجتثّ فيه من تأميلهم ، والبقاء لمن تفرّد به وحده ، لا ربّ غيره . ولا جرم أن عزّى اللّه إخوانه عنه بامتداد بقاء فتاه النّدب أبي بكر ولده ، سادا ثلمه ، ساميا مسماه ، غائظا عداه ، عاطيا منتهاه ، بأنواط صدق ، يجذبن إلى العلاء بضبعه ، من شماخة ودماثة وحصافة ونزاهة ومعرفة ، ووفور حظّ من أدب بلاغة وكتابة ، وشركة في التعاليم المعلية ، واشتداد / في رعاية متقادم الذمة ، لم يفقد إخوان أبيه معها إلّا عينه : خلال حرّكن حاله عما قليل بعد أبيه عند سلطانه قسطاس السياسة ، فاستبصر في إحضاره ، وأدناه من اجتبائه [ 1 ] ، ورقّاه في مراتب والده ، منقّلا له في درجاتها ، راضيا بلاءه فيما ناط به منها ، حتى فرع ذروتها عمّا قليل ، فأحظاه بالوزارة ووزّر بحضرته الأثيرة إشبيلية ، وجمع له أعاظم خططها العليّة ، معاطن التنافس من قوّام المملكة : خطّة ولاية المدينة مجموعة إلى خطّة ولاية السّكّة - بكلّ استقلّ ، وعلى كلّ استظهر ، فكفى وعدل ، فاغتبط به السلطان ، وواتاه الزمان ، واللّه يؤتي فضله من يشاء ، له الفضل والامتنان . وفي فصل [ 2 ] : وكان أبو الوليد ممّن أنشأته دولة الجهاورة ، واصطفته اصطفاء الفرس للأساورة ؛ اختصّ بأبي الوليد اختصاص القرح [ 3 ] بالنّور ، وارتبط بهم ارتباط الإفاضة بالفور [ 4 ] . وأبو الحزم ابن جهور إذ ذاك رأس الجماعة ، وأصل تلك الإمرة المطاعة ، من رجل أدهى من فقيد عمان [ 5 ] ، وأجرأ من ليث

--> [ 1 ] س : أحبائه . [ 2 ] من الواضح أن هذا الفصل اختلط بالنقل من القلائد ، وبتكرار شعر ورد من قبل ، كما أن استئناف الحديث عن علاقة ابن زيدون بالجهاورة بعد أن أشبع المؤلف القول فيه ، قد يدل على أن هذا الفصل دخيل على الذخيرة . [ 3 ] القرح : البياض . [ 4 ] ارتباط الإفاضة بالفور : أي حين يفيض الناس في الحج من عرفات إلى منى ، يندفعون بكثرة ، والإفاضة سرعة الركض . [ 5 ] هو قيس بن زهير الذي كان يضرب به المثل في الدهاء ، وقد جاءته منيته في عمان ( انظر : الدرة الفاخرة :