ابن بسام

262

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الحسني [ 1 ] بمالقة فأطال الثواء هنالك ، واقترب من إدريس ، وخفّ على نفسه ، وأحضره مجالس أنسه . فعتب عليه ابن جهور ، [ وصرفه عن ذلك التصريف قبل قفوله ، ثم عاد إلى جميل رأيه فيه ] ، وصرّفه في السّفارة بينه وبين رؤساء [ 2 ] الأندلس فيما يجري بينهم من التراسل والمداخلة ؛ فاستقل بذلك لفضل ما أوتيه من اللسن والعارضة ، / فاكتسب الجاه والرفعة [ 3 ] ، ولم يبعد في ذلك من التهافت في الترقّي لبعد الهمّة ، فهوى عمّا قليل إلى عبّاد صاحب إشبيلية ، اجتذبه إلى ذلك فهاجر عن وطنه إليه ، ونزل في كنفه ، وصار من خواصه وصحابته ، يجالسه في خلواته ، ويسفر له في مهم رسائله على حال من التوسعة . وكان ذهابه إلى عباد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، [ فخلا بالحضرة مكانه ، وكثر الأسف عليه ، انتهى كلام ابن حيان ] . قلت : فأما سعة ذرعه ، وتدفق طبعه ، وغزارة بيانه ، ورقة حاشية لسانه ، فالصبح الذي لا ينكر ولا يردّ ، والرمل الذي لا يحصر [ 4 ] ولا يعدّ . أخبرني من لا أدفع خبره من وزراء إشبيلية قال : لعهدي بأبي الوليد قائما على جنازة بعض حرمه ، والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم ، فما سمع يجيب رجلا منهم بما أجاب به آخر ، لحضور جنانه ، وسعة ميدانه . وقد أخرجت من أشعاره التي هي حجول وغرر ، ونوادر أخباره التي هي مآثر وأثر ، ورسائله التي أخرست ألسنة الحفل ، [ واستوفت أمد المنطق الجزل ، ما يسرّ الآداب ويصورها ، ويستخفّ الألباب ويستطيرها [ 5 ] ] . جملة من نثره ، مع ما ينخرط في سلك ذلك من شعره [ له من رقعة خاطب بها ابن جهور من موضع اعتقاله يقول فيها [ 6 ] : يا مولاي

--> [ 1 ] هو إدريس بن يحيى بن علي الملقب بالعالي ، بويع سنة 434 تم خلعه أهل مالقة سنة 438 ( انظر البيان المغرب 3 : 217 ) . [ 2 ] ب س : أمراء . [ 3 ] ب س : والمنفعة . [ 4 ] س : يحصى . [ 5 ] موضع هذه العبارة في ب س : « وكيف يصح ذلك وهو منقول عن عمر رضي اللّه عنه » وهي عبارة غريبة في موقعها . [ 6 ] هذه هي الرسالة الجدية ، التي شرحها الصفدي في تمام المتون ؛ ونصها كما أورده الصفدي ناقلا عن خط ابن