ابن بسام

257

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وقال أيضا في علته تلك [ 1 ] : تأمّلت ما أفنيت من طول مدّتي * فلم أره إلّا كلمحة ناظر وحصّلت ما أدركت من طول لذتي * فلم ألفه إلّا كصفقة خاسر وما أنا إلا رهن ما قدّمت يدي * إذا غادروني بين أهل المقابر سقى اللّه فتيانا كأنّ وجوههم * وجوه مصابيح النجوم الزّواهر إذا ذكروني والثرى فوق أعظمي * بكوا بعيون كالسّحاب المواطر يقولون : قد أودى أبو عامر العلا * أقلّوا فقدما مات آباء عامر هو الموت لم يصرف بأجراس خاطب * بليغ ولم يعطف بأنفاس شاعر ولم يجتنب للبطش مهجة قادر * قويّ ولا للضّعف مهجة صافر يحلّ عرى الجبّار في دار ملكه * ويهفو بنفس الشارب المتساكر وليس عجيبا أن تدانت منيّتي * يصدّق فيها أوّلي أمر [ 2 ] آخري ولكن عجيبا أن بين جوانحي * هوى كشرار الجمرة المتطاير يحرّكني والموت يحفز مهجتي * ويهتاجني والنفس عند حناجري وبلغني أن آخر شعر قاله يودّع إخوانه هذه الأبيات [ 3 ] : أستودع اللّه إخواني [ 4 ] وعشرتهم * وكلّ خرق إلى العلياء سبّاق وفتية كنجوم القذف نيّرهم * يهدي ، وصائبهم يودي بإحراق وكوكبا لي منهم كان مغربه * قلبي ، ومشرقه ما بين أطواقي اللّه يعلم أني ما أفارقه * إلا وفي الصدر مني حرّ مشتاق كنّا أليفين خان الدّهر ألفتنا * وأي حرّ على صرف الردى باقي فإن أعش فلعلّ الدّهر يجمعنا * وإن أمت فسيسقيه كذا السّاقي لا ضيّع اللّه إلا من يضيّعه * ومن تخلّق فيه غير أخلاقي قد كان بردي إذا ما مسني كلف * لا يثلم الحبّ آدابي وأعراقي

--> [ 1 ] ديوانه : 113 . [ 2 ] س ب : أول الأمر . [ 3 ] ديوانه : 129 . [ 4 ] س : أصحابي .