ابن بسام
241
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الكنهور [ 1 ] ، وقد ملّحته ملاحة الأسماء ، واتّقد فيه الهوى ، واضطرمت في جانبه نيران الجوى ، ولمع فيه البرق ، واستنّ فيه الودق ، وسفحت عليه الدّموع ، وبان فيه الخشوع ، وهو / وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ( النور : 39 ) لا يستحقّ صاحبه غير أن يكون تلعّابة ، أو صاحب براعة . وإنما يستحقّ اسم الصناعة بتقحّم بحور البيان ، وتعمد كرائم المعاني والكلام ، وأن ينطق بالفصل [ 2 ] ، ويركب أثباج الجدّ ، ويطلب النادرة والسائرة ، وينظم من الحكمة ما يبقى بعد موته ، ويذكر بعد فوته ، ويتصرّف تصرّف الملح ، ويتلوّن تلوّن أبي براقش . ونحن نرجو أنّا ذهبنا بقولنا هذا مذهبا كريما من الكلام [ 3 ] : ولمّا رأيت الليل عسكر قرّه * وهبّت له ريحان تلتطمان وعمم صلع الهضب من قطر ثلجه * يدان من الصّنّبر تبتدران رفعت لساري الليل نارين فارتأى * شعاعين تحت النّجم يلتقيان فأقبل مقرور الحشا لم تكن له * بدفع صروف النّائبات يدان فقلت : إلى ذات الدخان ، فقال لي * وهل عرفت نار بغير دخان ؟ فملت به أجترّه نحو جمرة * لها بارق للضّيف غير يمان إذا ما حسا ألقمته كلّ فلذة * لفرخة طير أو لسخلة ضان فما زال في أكل وشرب مدارك * إلى أن تشهى التّرك شهوة واني فألحفته فامتدّ فوق مهاده * وخدّاه بالصّهباء تتقدان وما انفكّ معشوق الثّواء نمده * ببشر وترحيب وبسط لسان [ 4 ] تغنّيه أطيار القيان إذا انتشى * بصنج وگيتار وعود كران ويسمو دخان المندل الرّطب فوقه * كما احتملت ريح متون عثان [ 5 ] إلى أن تشهّى البين من ذات نفسه * وحنّ إلى الأهلين حنّة حاني فأتبعته ما سدّ خلّة حاله * وأتبعني ذكرا بكلّ مكان
--> [ 1 ] الكنهور : السحاب المتراكب . [ 2 ] س : يمتطي الفصل . [ 3 ] ديوان ابن شهيد : 163 ، والنفح 3 : 440 والأبيات 10 ، 13 ، 14 في الشريشي 1 : 257 . [ 4 ] النفح : بنان . [ 5 ] العثان : الدخان .