ابن خاقان

589

قلائد العقيان ومحاسن الأعيان

محلّتنا - عصمها اللّه - بظاهر مرسية - رعاها اللّه - ، في السّابع عشر ، من شهر ربيع الأوّل ، سنة اثنتي عشرة وخمس مائة ، ونحن نجدّ إلى ما قبلكم السّير ، ولو استطعنا لامتطينا أجنحة الطّير أصراحا لداعي ذاك الثّغر ، خفره اللّه وعصمه ، ودرأ في صدر العدوّ المنيخ به دمّره اللّه وقصمه ، فيعلم اللّه عزّ وجلّ ، أنّا استشعرنا للنّبإ الطّارئ من حضرة سرقسطة - ثبّتها اللّه - تلظّيا وانزعاجا ؛ واستحال عندنا لذلك المشرب أجاجا ، ورأينا أنّها - واللّه يكفيها - نازلة تعمّ أطواقا وأثباجا ، والربّ يوسع تلك الخطّة الضيّقة بلطفه وقدرته انفراجا ، جلّت قدرته . ولم يمنعنا عن إجابة تلك الإهانة ، إلّا ما كنّا بسبيله من التّحصين على هذا الثّغر المصاقب ، من عادية عدوّه المراقب ، الّذي توقّعنا أن تظهر بعدنا جنادعه « 1 » ، ويعدم بمغبّتنا قادعه / ورادعه ، فأقمنا على النّظر في سدّه ، وإقامة [ 197 / ظ ] أوده وشدّه ؛ وإذ أتينا على ما أوجب الحزم منه ، ولم تسع الغفلة عنه ، شمّرنا عن السّاعد ، وثرنا نستقرب في غوثه المدى المباعد ، وعلى عقبنا - بحول اللّه - تلحق من أجناد إشبيلية « 2 » وقرطبة « 3 » - حماهما اللّه - جموع تغصّ الملأ ، وتلفى وراء الحوزة بحرا وكلكلا ، وتسوم عدوّ اللّه قراعا يدقّ الصّعاد السّمر ، ويذيق المنايا الحمر ؛ واللّه يعزّ حزب الإسلام ، ويأتي على عبدة الأصنام ، بالاستئصال والاصطلام ، بقدرته الباهرة ، وقوّته القاهرة ، والسّلام عليكم كثيرا عميما موفورا ، ورحمة اللّه وبركاته .

--> ( 1 ) يقال للشّرير المنتظر هلاكه : ظهرت جنادعه واللّه جادعه . ( 2 ) إشبيلية : بالكسر ثم السكون ، وكسر الباء الموحدة ، وياء ساكنة ولام وياء خفيفة ، مدينة كبيرة بالأندلس ، تسمّى حمص أيضا ، وبها كان بنو عبّاد . ( 3 ) قرطبة : قاعدة الأندلس ، وأم مدائنها ، بها الجامع المشهور ، تغلّب عليها النصارى سنة 633 ه .