ابن خاقان
مقدمة ط
قلائد العقيان ومحاسن الأعيان
حين تأمّل كتابه : " فرأيته كتابا سينجد ويغور ، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور ، وتبين به الذّرى والمناسم ، وتغتدى له غرر في أوجه ومواسم " « 1 » . فهذا يضيء إلى أن القدماء لم يشيروا إلى شيء من حقيقة القلائد ، وأثرها في المجال الفكري للحضارة الأندلسية ، بقدر ما راعهم فيها براعة الأسلوب ، وطريقة العرض ، فذلك عنوان البلاغة . وعلى ذلك ، فإنه يترجح لدينا ، بأن كتاب القلائد في تكوينه العام ، يقوم على الاجتهاد الدقيق في الاختيار ، ممّا يمنح الكتاب ، طابعا عاما يغلب على نماذجه الأدبية ، ويعكس تيّار الحياة الاجتماعية الأندلسية ، على نحو واضح ، إلّا مما قد توافر عليه القسم الأول من الكتاب ، فإنه ينطوي على النواحي التأريخية ، على ما مرّ بنا في غير هذا الموضوع ، وهي تلك الإشارات التاريخية التي لم يؤت بها للغرض التاريخي ، وانما تجاوزت الناحية التاريخية إلى القيمة الأدبية ، بمعنى أن يستحيل التاريخ أدبا ، ويخلع عليه من البلاغة روحا أدبيا ، ولذلك لم يحمل كتاب القلائد قيمة تأريخية ، إلّا أن يعتصر القارئ ذهنه ، ويتذكر وقائع التأريخ حيث هي في مظانها « 2 » . والظن الغالب ، بأن جوهر الحقيقة في هذا القسم التاريخي ، وما يتصل به من نماذج أدبية ، هو من تأثير صاحب الذّخيرة « 3 » ، وإن كان يحمل قسمات ابن خاقان وأسلوبه . والواقع ، أن الشواهد والدلائل تؤكد مدى تمثّل كتاب القلائد ، لتيّار الحياة الاجتماعية بالأندلس ، ممّا أدار ابن خاقان عليه جلّ الكتاب ، من حيث مجالس الخمر والغناء والتّطريب ، وما يتصل بذلك من الحياة اللاهية الماجنة ، في ضروب الغزل والمجون ، لدى الأمراء والوزراء ، وشعراء العصر والكتّاب ، ومن حيث النساء
--> ( 1 ) القلائد : 223 . ( 2 ) وحتى يتضح الأمر تراجع ترجمته لأبي بكر بن عمار ، وزير المعتمد بن عباد ، فإن الذي يقرأ هذه الترجمة ، ينبغي له أن يتفهم تاريخ الدولة العبادية ، وحياة وزيرها ابن عمار . ( القلائد : 94 ) . ( 3 ) إنّ تقصّي هذا الباب ، فيما هو ملخص أو مكرر عند ابن خاقان من كتاب الذخيرة ، أمر لا يستوفيه مثل هذا البحث ، ولكنه يكتفى بالإشارة إلى أشياء تضرب أمثلة على ما ذهبت إليه ، مثل ما كتبه المتوكل بن المظفر من نثر وشعر إلى أخيه المنصور يحيى يعاتبه ( القلائد 46 ) ، ثم ما كتبه المتوكل أيضا إلى وزيره ابن الحضرمي ، وقد صرفه عن خدمته . ( القلائد 46 - 47 ) .