سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

358

الأنساب

فشدّوا حزمها ، واستوثقوا من ألبابها « 1 » وأثفارها « 2 » . ثم هزّها الثانية ، فأسند القوم أسنّة الرّماح نحو العجم ، وهزّوا سيوفهم ، ثم هزّها الثالثة ، فحمل وحمل معه عمرو بن معدي كرب وفرسان العرب ، وحمل المسلمون على آثارهم حملة رجل واحد ، وأسندوا رؤوسهم إلى قرابيس « 3 » سروجهم ، فلم يكن للعجم ثبات عند حملتهم ، فانهزموا على وجوههم . وكان النعمان بن مقرّن أوّل قتيل ، فحمله أخوه سويد بن مقرّن ، فأدخله معسكر العرب ، وأخذ أثوابه فلبسها ، وركب فرسه متشبها به لئلا يعلم المسلمون بقتله ، فينكسروا . ثم أقبل حتى صار إلى المسلمين ، وولّى أمر الناس حذيفة ابن اليمان . ثم إنّ العجم ثابوا وتداعوا ووقفوا يحاربون العرب بجدّ واجتهاد ، فتجالدوا بالسيوف ، وتشاكوا بالرّماح ، وحميت الحرب بين الفريقين ، واشتدّ القتال ، وثار القتام ، وكثرت القتلى بينهم . فنادى عمرو بن معدي كرب بصوت له جهوريّ - وهو شيخ كبير - : يا معشر العرب إنه لم يبق من القوم إلّا آخر نفس ، فاحملوا معي ، فداكم أبي وأمّي ، حملة أخرى ترضون بها اللّه ، وتعزّون بها الدّين . ونادى طليحة بن خويلد وقال : إليّ . فركض نحوه [ عمرو ] « 4 » ، وحملا أمام الناس ، وحمل معهما جميع المسلمين وسادة العرب وفرسانهم حملة رجل واحد ، ووطّنوا أنفسهم على الموت ، فقتلوا في حملتهم تلك مقتلة عظيمة ، فولّت العجم من بينهم منهزمين على وجوههم ، وأخذوا نحو الجبل ( الذي يسمّى أبر اي ليعتصموا به ، فانتهوا إلى ذلك الخندق ) « 5 » الذي كانوا احتفروه ، وأجروا عليه الماء ، وغطّوه بتراب السّباخ ، وجعلوه ليكون مكيدة ، ورجوا

--> ( 1 ) الألباب ج لبب : ما يشد على صدر الدابة يكون للرحل والسرج يمنعهما من الاستئخار . ( اللسان ) . ( 2 ) الأثفار ج ثفر : السّير الذي في مؤخر السرج . ( اللسان ) . ( 3 ) القرابيس ج قربوس : حنو السّرج ، أي مكان انثنائه ، ولكل سرج قربوسان . ( 4 ) إضافة يقتضيها السياق . ( 5 ) ما بين القوسين ساقط في ( أ ) وهو في ( ب ) و ( ج ) .