سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري
357
الأنساب
وتغنّيهم القيان « 1 » ، ويعزف بين يدي كلّ صفّ من صفوفهم بالمعازف . ثم إن النعمان بن مقرّن ركب فرسا أشهب ، ولبس ثيابا بيضا فوق الدّرع ، ووضع على رأسه قلنسوة بيضاء مصقولة فوق البيضة ، ثم تربّع فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : يا معاشر العرب : إنكم نظام الإسلام ، والباب بين المسلمين وأهل الشرك ، فاللّه اللّه في الإسلام وأهله يا معشر العرب ، استعملوا الصّبر تثابوا عليه بالأجر ، فإنّكم على إحدى الحسنيين ، إمّا الغنيمة والفضل ، وإمّا الشهادة والفوز . ثم حرّك فرسه وجعل يدور في الرايات والصّفوف ، راية راية ، وصفّا صفا ، ويقول : أيّها الناس ، إنّما قوام الإسلام باللّه ، ثم بكم ، اصبروا وصابروا ، فإن اللّه وعد الصابرين أجرا عظيما . إنّ هؤلاء العجم قد حظروا عليكم خزائن وأموالا كثيرة ودنيا عريضة ، إن هربوا أسلموا إليكم خزائنهم وأموالهم ، وإن هربتم أو هنتم الإسلام ، وأضعتم الحرمات ، ليشتغل كلّ واحد منكم بقرنه « 2 » ، ولا يحيل قرنه على أخيه ، فإنّ في ذلك عار الدنيا وعقاب الآخرة . أيّها الناس ، إن عاقبة الصبر محمودة ، ومع الصبر يكون النّصر . فجعل يدور بين الرّايات ويقول هذا وشبهه ، والعسكران متواقفان ، والناس تحت راياتهم وصفوفهم . وأقبل المغيرة بن شعبة على فرسه حتى دنا من النعمان ، فقال : أيّها الأمير ، إنّ الناس قد تشوّقوا إلى لقاء هؤلاء القوم ، وقد استعدّوا للحرب ، فما ذا تنتظر ؟ فقال النعمان : رويدا ، يرحمك اللّه ، فإني منتظر الساعة التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقاتل فيها ، وهي زوال الشمس ، وتهبّ الرياح . فلمّا أن قارب ذلك الوقت نادى النعمان : إنّي هازّ الراية ثلاثا ، فإن هززتها أولا فكبّروا ، وليشدّ كل واحد حزام فرسه ، ويسوّي عليه شكّته . فإذا هززتها الثانية فأسندوا أسنّة رما حكم نحو القوم ، وهزّوا سيوفكم . فإذا هززتها الثالثة فكبّروا واحملوا ، فإني حامل أوّلكم ، ولا قوّة إلّا باللّه . فمدّ الناس أعينهم إلى الرّاية ، فلمّا زالت الشمس وهبّت الرّيح ، هزّ الراية ، فنزل الناس عن خيولهم ،
--> ( 1 ) في الأصول : القيون ، والقين هو العبد ، والقيان ج قينة وهي الجارية المغنية . ( 2 ) القرن ، بالكسر ، الكفء في الشجاعة والحرب ، والمقاوم لك في أي شيء . ( اللسان ) .