سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

356

الأنساب

النعمان بن مقرّن لعمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد : إنّ هؤلاء العجم قد عسكروا بمكانهم هذا ، وخندقوا على أنفسهم ، وأمسكوا عن الخروج إلى الحرب ، وأمدادهم تترى عليهم كلّ يوم ، وليس الرأي إلّا معاجلتهم ، فكيف الحيلة في ذلك ؟ فقال عرو بن معدي كرب : الرأي أن تشيع أن عمر أمير المؤمنين قد مات ، ثم ترتحل بجميع جنودك مولّيا ، فإنك لو فعلت ذلك لخرجوا من معسكرهم واتّبعونا ، فإذا فعلوا ذلك فاعطف عليهم ، فإن ولّوا كانت هزيمة ، وإن وقفوا حاربتهم . قال النعمان : هذا لعمري الرّأي . ثم إنّ النعمان بن مقرّن بات ليلته تلك يعبئ أصحابه ، ويعقد لهم الرايات ، ويؤمّر عليهم الأمراء ، وجعل لكل أمير من أمرائه شعارا معروفا ، فإذا دعوا به اجتمعوا إليه . فلمّا أصبح سار بهم على تعبيتهم تلك ، وتحت راياتهم ، مولّيا ، وقد أمر أصحابه بحمل أثقالهم وتقديمها أمامهم ، وأشاعوا أن عمر بن الخطاب قد مات . فلمّا بلغ الخبر مردان شاه نادى في جميع جيوش العجم ، فأفرغوا عليهم الدّروع والأقبية ، ولبسوا آلة الحرب ، واستلأموا « 1 » ، وركبوا خيولهم ، وسار بهم تابعا جيش العرب في آثارهم ، حتى لحقوهم قريبا لم يتباعدوا ، فعند ذلك عطف عليهم النعمان بن مقرّن بمن معه من فرسان العرب ، في جنوده ، على التعبية التي عبّأهم بها ، وذلك يوم الأربعاء ، والتقى الفريقان فاقتتلا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بمثله ، حتى حجز بينهم الليل ، وانصرف كل فريق منهم إلى عسكره . فلمّا أصبحوا صباح الخميس ، وقد ابتكروا إلى مصافّهم ، تراموا بالنشّاب والنّبل حتى نفدت ، وتطاعنوا بالرّماح حتى تكسّرت ، ثم أفضوا إلى السيوف وعمد الحديد ، فتضاربوا بها ، من لدن انبسط النهار إلى أن هجم عليهم الليل ، ثم انصرفوا أيضا إلى معسكرهم . فلمّا أصبحوا يوم الجمعة ابتكروا إلى مصافّهم ، وتواقفوا مليّا من النهار ، ولا يزول واحد من الفريقين عن مصافّه ، لشدّة ما أصابهم في اليومين الماضيين من ألم الجراح ، والعرب سكوت خفوت إلّا من ذكر اللّه منهم ، والعجم وقوف على خيولهم ، وتحت راياتهم ، تدور عليهم السّقاة بالخمور ،

--> ( 1 ) استلأم : لبس اللأمة ، وهي الدرع .