سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري
343
الأنساب
فأصبح الفريقان تحت راياتهم ومصافاتهم ، وجعلت الأمداد من قبل الملك يزدجرد تترى على رستم عسكرا بعد عسكر ، حتى صاروا في زهاء مائة ألف رجل ، بين فارس وراجل . وقام خالد بن عرفطة في العرب خطيبا وقال : يا معشر العرب ، هذه بلاد قد أذلّ اللّه لكم أهلها ، فأنتم تقتلونهم وتغيرون عليهم منذ حولين كاملين ، وقد جاءكم منهم هذه الجموع ، وأنتم لهاميم العرب وساداتهم ، وخيار كلّ حيّ ، وعزّ من ورائكم . فإن صدقتموهم الطّعن والضرب كانت لكم بلادهم وذراريهم ، وإن تقتلوا لم يبق منكم ، [ أحد ] ألا ترون الأرض من خلفكم صفصفا قفرا ، ليس فيها ملجأ ولا وزر ، فلتكن حصونكم سيوفكم ورماحكم . ثم زحف الفريقان ، بعضهم إلى بعض ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بمثله . وتقدّم عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ وقيس بن هبيرة المكشوح المراديّ أمام المسلمين كالأسد والأساود ، وجعل قيس بن هبيرة يرتجز ويقول : قد علمت واردة الوشائح * ذات النقاب والجبين الواضح أني سمام البطل المشايخ * وفارج الأمر المهمّ الفادح ثم حمل هو وعمرو بن معدي كرب ، وتبعتهم أبطال العرب وفرسانهم ، فحملوا على العجم حملة رجل واحد ، فتطاعنوا بالرّماح ، وتجالدوا بالسّيوف ، وصبرت لهم العجم صبرا صادقا ، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة ، حتى خاضت الخيل في الدّماء ، واضطربوا اضطرابا شديدا بجدّ واجتهاد ، وثار بينهم القتام ، وكان من القوم جولة حتى لحقوا برستم ، وهو في آخر صفوفهم . فلمّا نظر رستم إلى ذلك نادى في العجم وقال : مالكم ، ثكلتكم أمّكم ، تحجمون عن هؤلاء القوم ، وأنتم إخوان الحرب ، وأحلاس « 1 » الطّعن والضرب . ثم صار في أوائل أصحابه ، ثم حمل وحملوا معه حملة رجل واحد ، فكان من العرب جولة شديدة حتى دنوا من القصر الذي فيه سعد بن أبي وقّاص ، ومعه النّساء والذّراريّ . فأمر سعد النساء أن يخرجن ومعهنّ أصاغر
--> ( 1 ) الأحلاس ج حلس : من يلازم مكانه لا يبرح ، وأحلاس الخيل : الذين يلازمون ظهورها .