سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري

344

الأنساب

أولادهنّ ، فخرجن جميعا من القصر ، واستقبلن المنهزمين من العرب ، فضحن وأعولن وقلن : ويحكم ، عار بكم أن تدعونا وتهربوا . فأخذتهم الحميّة ، فرجعوا إلى الحرب ، وانصرفت النساء والأولاد إلى القصر ، وسعد ينظر إلى ذلك ، ومعه المرأة التي كانت امرأة المثنّى بن حارثة ، فحملت العرب حملة صادقة ، وأمامهم عمرو بن معدي كرب الزّبيدي ، وقيس بن هبيرة المكشوح المرادي ، وطليحة بن خويلد الأسديّ ، وصبرت لهم العجم ، فتطاعنوا بالرّماح حتى تكسّرت ، وقبل ذلك تراموا بالسّهام حتى تقصّدت ، وصاروا إلى السيوف وعمد الحديد . وحملت العجم على بجيلة ، وهم في الميمنة ، وعليهم جرير بن عبد اللّه البجليّ ، وصبرت لهم بجيلة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وكثرت بينهم القتلى والجراحات ، وسعد ينظر إلى ذلك ، وهو جالس بأعلى القصر ، وإلى جانبه امرأته التي كانت امرأة المثنّى . فقال سعد : وا بجيلتاه ، ولا بجيلة لي اليوم . فقالت المرأة : وا مثنّاه بن حارثة ، ولا مثنّى لي اليوم . فدخلته الغيرة من ذكرها المثنّى . فلطم سعد حرّ وجهها ، فقالت : يا ابن وقّاص ، أغيرة وجبنا . ثم عطف عمرو بن معدي كرب وأبو محجن الثّقفي حتى صارا في أوائل بجيلة ، وقد زالوا عن مصافّهم ، فأنقذوهم حتى ردّوهم إلى مصافّهم . وحملت العرب معهما حملة رجل واحد ، فقتلوا في حملتهم تلك من العجم مقتلة عظيمة ونهنوهم عن أنفسهم ، وسعد ينظر إلى ذلك . فقال لامرأته : لقد منّ اللّه على بجيلة . ثم اشتدّ القتال ، فاقتتل الفريقان قتالا لم يسمع السامعون بمثله . وتقدّم أمام العجم رجل منهم كان يعدّ بألف فارس ، يعمل عمل الأسد البواسل ، ويقتل من المسلمين من أدرك منهم ، فحمل عليه عمرو بن معدي كرب ، فاحتمله عن دابّته ، وجعله أمامه على قربوس سرجه « 1 » ، وانصرف به حتى توسّط به العرب ، فرماه عن القربوس ، فكسر عنقه ، ثم أنحى بسيفه إلى عنقه ، وقال : يا معشر العرب ، هكذا فافعلوا . فقال بعض من حضره : يا أبا ثور ، من يستطيع منّا أن يفعل هكذا . ثم اضطرب الفريقان مليّا « 2 » من

--> ( 1 ) قربوس السرج : حنوه أي مكان الحناءة واعوجاجه ، ولكل سرج قربوسان . ( 2 ) مليّ من النهار : أي قطعة منه ، ومضى مليّ من النهار : أي ساعة طويلة . ( اللسان ) .