محمد الحميدي

346

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

استخراج الأموال ، طيّبا بلطائف الشّكر . أخبرني بعض المشايخ بالأندلس : أنّ أبا العلاء دخل على المنصور أبي عامر يوما في مجلس أنس ، وقد كان تقدّم فاتّخذ قميصا من رقاع الخرائط التي وصلت إليه فيها صلاته ، ولبسه تحت ثيابه ، فلما خلا المجلس ، ووجد فرصة لما أراد ، تجرّد وبقي في القميص المتّخذ من الخرائط ، فقال له : ما هذا ؟ فقال : هذه رقاع صلات مولانا اتخذتها شعارا ، وبكى وأتبع ذلك من الشّكر بما استوفاه ، فأعجب ذلك المنصور ، وقال له : لك عندي مزيد ، وكان قد نفق عليه بما ألّف له [ من الكتب ، ألّف له ] « 1 » : كتاب « الفصوص » على نحو كتاب « النّوادر » لأبي عليّ القالي ، وكتابا آخر على مثال كتاب الخزرجيّ أبي السّريّ سهل به أبي غالب سمّاه كتاب « الهجفجف بن غدقان « 2 » بن يثربيّ مع الخنوت بنت مخرمة بن أنيف » ، وكتابا آخر في معناه سمّاه كتاب « الجوّاس بن قعطل المذحجيّ مع ابنة عمّه عفراء » ، قال لي أبو محمد عليّ بن أحمد : وهو كتاب مليح جدّا ، وكان المنصور أبو عامر كثير الشغف بكتاب « الجوّاس » حتّى رتّب له من يخرجه أمامه في كلّ ليلة . ويقال : إنّ أبا العلاء لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممّن ولي الأمور بعده من ولده ، وادّعى وجعا لحقه في ساقه لم يزل يتوكّأ به على عصا ، ويعتذر به في التخلّف عن الحضور والخدمة ، إلى أن ذهبت دولتهم ، وفي ذلك يقول في قصيدته المشهورة في المظفّر أبي مروان عبد الملك بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر ، وهو الذي ولي بعد

--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين من البغية ، كأنها سقطت من النسخة ، ودليل ذلك أن الجملة لا تستقيم نحوا على ما هي عليه في النسخة الخطية ، لأنّ لفظة كتاب ينبغي أن تكون مرفوعة كونها مبتدأ مؤخرا ، ولا يستقيم قوله بعد ذلك : « وكتابا آخر » ، إذ كان ينبغي أن يقول : وكتاب آخر ، كونه معطوفا على المبتدأ المؤخر . ( 2 ) هكذا في الأصل مجوّدا ، وفي البغية : « عدقان » ، فلعل الضمة نقطة في الأصل .