محمد الحميدي
320
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
450 - سليمان « 1 » بن محمد المهريّ الصّقلّيّ . من أهل العلم والأدب والشّعر . قدم الأندلس بعد الأربعين وأربع مائة ، ومدح ملوكها ، وتقدّم عند كبرائها بفضل أدبه وحسن شعره . أخبرني بعض أصحابنا عنه بالأندلس ، قال : كان بسوسة إفريقيّة رجل أديب شاعر ، وكان يهوى غلاما جميلا من غلمانها ، وكان كلفا به ، وكان الغلام يتجنّى عليه ويعرض عنه . قال : فبينما هو ذات ليلة منفردا يشرب وحده ، على ما أخبر عن نفسه ، وقد غلب عليه غالب من السّكر ، إذ خطر بباله أن يأخذ قبس نار ، ويحرق داره عليه ، لتجنّيه عليه . فقام من حينه ، وأخذ قبسا فجعله عند باب الغلام ، فاشتعل نارا . واتّفق أن رآه بعض الجيران ، فبادروا النار بالإطفاء ، فلمّا أصبحوا مضوا إلى القاضي فأعلموه ، فأحضره القاضي ، وقال : لأيّ شيء أحرقت يا هذا ؟ فأنشأ يقول [ من مخلع البسيط ] : لمّا تمادى على بعادي * وأضرم النّار في فؤادي ولم أجد عن هواه بدّا * ولا معينا على السّهاد حملت نفسي على وقوفي * ببابه حملة الجواد فطار من بعض نار قلبي * أقلّ في الوصف من زناد فأحرق الباب دون علمي * ولم يكن ذاك عن مراد قال : فاستطرفه القاضي ، وتحمّل عنه ما أفسد ، وأخذ عليه ألّا يعود ، وخلّى سبيله ، أو كما قال . قال الحميديّ « 2 » : وكنت أظنّ أنّ هذا المعنى الذي ذكره هذا الشاعر في شعره ممّا تفرّد به ، حتّى حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد اللّه النّعمانيّ بالفسطاط ، قال : قال لنا القاضي أبو الحسن بن صخر : أخبرني بعض
--> ( 1 ) ترجمه ابن بسام في الذخيرة 4 / 87 ، وابن بشكوال في الصلة ( 462 ) ، والضبي في البغية ( 764 ) ، وابن فضل اللّه العمري في مسالك الأبصار 11 / 454 . ( 2 ) بعد هذا : « رضي اللّه عنه » وهي من زيادة الناسخ بلا ريب .