محمد الحميدي
206
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
نعم . قال : فانصرفت إلى أحمد بن كليب ، وأخبرته بموعده بعد تأبّيه ، فسرّ بذلك ، وارتاحت نفسه . قال : فلمّا كان الغد بكّرت إلى أسلم ، وقلت له : الوعد ، قال : فوجم وقال : واللّه لقد تحملني على خطّة صعبة عليّ ، وما أدري كيف أطيق ذلك ؟ قال : فقلت له : لا بدّ من أن تفي بوعدك لي ، قال : فأخذ رداءه ونهض معي راجلا . قال : فلمّا أتينا منزل أحمد بن كليب ، وكان يسكن في آخر درب طويل ، وتوسّط الدّرب ، وقف واحمرّ وخجل ، وقال لي : الساعة واللّه أموت ، وما أستطيع أن أنقل قدمي ، ولا أن أعرض هذا على نفسي ، فقلت : لا تفعل ، بعد أن بلغت المنزل تنصرف ؟ قال : لا سبيل واللّه إلى ذلك البتّة . قال : ورجع مسرعا ، فاتّبعته ، وأخذت بردائه ، فتمادى ، وتمزّق الرّداء ، وبقيت قطعة منه في يدي ، لسرعته وإمساكي له ، ومضى ولم أدركه . فرجعت ودخلت إلى أحمد بن كليب ، وقد كان غلامه دخل عليه ، إذ رآنا في أول الدرب ، مبشّرا ، فلمّا رآني تغيّر وقال : وأين أبو الحسن ؟ فأخبرته بالقصّة ، فاستحال من وقته واختلط ، وجعل يتكلّم بكلام لا يعقل منه أكثر من التّرجّع ، فاستشنعت الحال ، وجعلت أترجّع ، وقمت ، فثاب إليه ذهنه ، وقال لي : أبا عبد اللّه ! قلت : نعم ، قال : اسمع مني واحفظ عنّي ، ثم أنشأ يقول [ من مخلع البسيط ] : أسلم يا راحة العليل * رفقا على الهائم النّحيل وصلك أشهى إلى فؤادي * من رحمة الخالق الجليل قال : فقلت له : اتّق اللّه ! ما هذه العظيمة ؟ فقال لي : قد كان . قال : فخرجت عنه ، فو اللّه ما توسّطت الدّرب حتى سمعت الصّراخ عليه وقد فارق الدّنيا . قال لنا أبو محمد عليّ بن أحمد : وهذه قصة مشهورة عندنا ، ومحمد بن الحسن ثقة ، ومحمد بن خطّاب ثقة . وأسلم هذا من بيت جليل ، وهو صاحب