محمد الحميدي
205
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
قفصا فيه بيض ، وتحيّن جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه ، فتقدّم إليه وقبّل يده ، وقال : يأمر مولاي بأخذ هذا ؟ فقال له أسلم : ومن أنت ؟ فقال : صاحبك في الضّيعة الفلانيّة ، وقد كان تعرّف أسماء ضياعه ، وأصحابه فيها ، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه ، ثم جعل أسلم يسأله عن الضّيعة ، فلمّا جاوبه أنكر الكلام ، وتأمّله فعرفه ، فقال له : يا أخي ! وهنا بلغت بنفسك ؟ وإلى هاهنا تبعتني ؟ أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب ، وعن الخروج جملة ، وعن القعود على بابي نهارا ، حتّى قطعت عليّ جميع ما لي فيه راحة ، فقد ضرت من سجنك ، واللّه لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ، ولا قعدت ليلا ولا نهارا على بابي . ثم قام ، وانصرف أحمد بن كليب كئيبا حزينا . قال محمد بن الحسن : واتصل ذلك بنا ، فقلنا لأحمد بن كليب : وخسرت دجاجك وبيضك ؟ فقال : هات كلّ ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك . قال : فلمّا يئس من رؤيته البتّة نهكته العلّة ، وأضجعه المرض . قال محمد بن الحسن : فأخبرني أبو عبد اللّه محمد بن خطّاب شيخنا ، قال : فعدته ، فوجدته بأسوإ حال ، فقلت له : ولم لا تتداوى ؟ فقال : دوائي معروف ، وأمّا الأطباء فلا حيلة لهم فيّ البتّة . فقلت له : وما دواؤك ؟ فقال : نظرة من أسلم ، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم اللّه أجرك بذلك ، وكان هو واللّه أيضا يؤجر . قال : فرحمته ، وتقطّعت نفسي له ، ونهضت إلى أسلم ، فاستأذنت عليه ، فأذن لي ، وتلقّاني بما يجب ، فقلت له : لي حاجة ، قال : وما هي ؟ قلت : قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطّلب عندي ، فقال : نعم ، ولكن قد تعلم أنه برّح بي وشهّر اسمي وآذاني ، فقلت له : كلّ ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها ، والرجل يموت ، فتفضّل بعيادته ، فقال : واللّه ما أقدر على ذلك ، فلا تكلّفني هذا ، فقلت له : لا بدّ ، فليس عليك في ذلك شيء ، وإنّما هي عيادة مريض . قال : ولم أزل به حتّى أجاب ، فقلت : فقم الآن ، فقال لي : لست واللّه أفعل ، ولكن غدا ، فقلت له : ولا خلف ؟ قال :