محمد الحميدي
204
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
أديب شاعر مشهور الشّعر ، ولا سيّما شعره في أسلم ، وكان قد أفرط في حبّه حتى أدّاه ذلك إلى موته ، وخبره في ذلك طريف . حدّثني أبو محمد عليّ بن أحمد ، قال : حدّثني أبو عبد اللّه محمد بن الحسن المذحجيّ ، قال : كنت أختلف في النّحو إلى أبي عبد اللّه محمد بن خطّاب النّحويّ في جماعة ، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد ، ابن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز ، صاحب المزنيّ ، والرّبيع . قال محمد بن الحسن : وكان من أجمل من رأته العيون ، وكان يجيء معنا إلى محمد بن خطّاب : أحمد بن كليب ، وكان من أهل الأدب البارع ، والشّعر الرائق ، فاشتدّ كلفه بأسلم ، وفارق صبره ، وصرّف فيه القول متستّرا بذلك ، إلى أن فشت أشعاره فيه ، وجرت على الألسنة ، وتنوشدت في المحافل ، فلعهدي بعرس في بعض الشوارع بقرطبة ، والنّكوريّ الزامر قاعد في وسط الحفل ، وفي رأسه قلنسوة وشيء ، وعليه ثوب خزّ عبيديّ ، وفرسه بالحلية المحلّاة يمسكه غلامه ، وكان فيما مضى يزمر لعبد الرّحمن الناصر ، وهو يزمر في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم [ من مجزوء المتقارب ] : وأسلمني في هوا * ه أسلم هذا الرّشا غزال له مقلة * يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد * سيسأل عمّا وشى ولو شاء أن يرتشي * على الوصل روحي ارتشى ومغنّ محسن يسايره فيها . قال : فلمّا بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطّلب ولزم بيته والجلوس على بابه ، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرا ومقبلا نهاره كلّه ، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا ، فإذا صلّى المغرب واختلط الظلام ، خرج مستروحا ، وجلس على باب داره ، فعيل صبر أحمد بن كليب ، فتحيّل في بعض اللّيالي ولبس جبة من جباب أهل البادية ، واعتمّ بمثل عمائمهم ، وأخذ بإحدى يديه دجاجا ، وبالأخرى