محمد الحميدي

11

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

مخالفا بذلك وصيته . فلما كان بعد مدة رآه في النوم يعاتبه على ذلك ، فنقله في صفر سنة 491 ه إلى مقبرة باب حرب ، وحين كشف قبره لينقل وجدوا كفنه جديدا وبدنه طريا تفوح منه رائحة الطيب على الرغم من مرور أكثر من عامين على وفاته « 1 » ، رحمه اللّه . لقد أجمع العلماء الذين عاصروا الحميدي أو جاءوا بعده على الثناء عليه ثناء عاطرا . قال الأمير ابن ماكولا : « أنشدني صديقنا الحميدي ، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ » « 2 » . وقال في موضع آخر : « لم أر مثل صديقنا أبي عبد اللّه الحميدي في نزاهته وعفته وورعه وتشاغله بالعلم » « 3 » . وقال الإمام أبو طاهر إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي « المتوفى سنة 496 ه » ، وكان قد لقي الأئمة بالعراق وخراسان وأذربيجان وأرّان : « لم تر عيناي مثل أبي عبد اللّه الحميدي رضي اللّه عنه في فضله ونبله وغزارة علمه ونزاهة نفسه وحرصه على نشر العلم وبثه في أهله . وكان ورعا تقيا إماما في علم الحديث وعلله ومعرفة متونه ورواته ، متحققا بعلم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة ، فصيح العبارة نظيف الإشارة ، متبحرا في علم الأدب والعربية والشعر والترسّل » « 4 » . وقال أبو طاهر السلفي « ت 576 ه » : سألت أبا عامر محمد بن سعدون العبدري ( ت 524 ه ) عن الحميدي فقال : « لا يرى مثله قط ، وعن مثله لا يسأل ، جمع بين الفقه والحديث والأدب ، ورأى علماء الأندلس ، وكان حافظا » « 5 » .

--> ( 1 ) تاريخ دمشق 55 / 81 . ( 2 ) الإكمال 6 / 243 . ( 3 ) سير أعلام النبلاء 19 / 122 - 123 . ( 4 ) تاريخ دمشق 55 / 80 - 81 . ( 5 ) تاريخ الإسلام 10 / 618 ، وسير أعلام النبلاء 19 / 123 .