عبد الله بن محمد المالكي

26

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

إنه كان « 114 » يسير بنا « 115 » الأبردين « 116 » ويخفض « 117 » بنا في القرب « 118 » ، ويتخذ اللّيل جملا ، يعجل الرحيل من المنزل القفر ، ويطيل اللّبث في الموضع الخصب ، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا حتى انتهينا إلى إفريقية ، فنزلنا بها حيث يسمعون صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح ، فأقمنا أياما نجمّ كراعنا ونصلح سلاحنا ، ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه ، فأبعدوا منه ، وسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح « 119 » ، فكانت هذه أبعد ، وأقامت رسلنا تختلف إليهم ثلاث عشرة ليلة تأتيهم « 120 » فلما يئس « 121 » منهم قام خطيبا ، فذكر اللّه عزّ وجلّ وأثنى عليه ، ثم ذكر فضل الجهاد . فقاتلناهم أشد قتال ، واستشهد اللّه جلّ جلاله رجالا من المسلمين ، فبتنا وباتوا ، وللمسلمين دوي كدوي النّحل ، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم . فلمّا أصبحنا زحف بعضنا إلى بعض ، فأفرغ اللّه تعالى علينا صبره ، وأنزل علينا نصره ، ففتحناها من آخر النهار » . وتمادى على خطبته في مثل هذا المعنى ، وكان أول مقام قامه فانتهى ذلك إلى أبيه الزبير ، فأقبل مسرعا وهو يقول : « غفر اللّه لأمير المؤمنين عرض هذا الغلام لهذا المقام بين أظهر الناس وهو حديث السن ! » فلما دخل المسجد رآه قائما ، فرمى بنفسه في آخر الناس ، ثم سأل اللّه عزّ وجلّ تسديده وتثبيته ، فلم يزل عبد اللّه موفقا في خطبته حتى فرغ ، فعجب الناس لشأنه ، وهنّئ بذلك الزبير ، فقال

--> ( 114 ) في الأصل : ما كان . وحذفنا حرف ( ما ) كما في العقد والمعالم . ( 115 ) في الأصل : بهم . والمثبت من المصادر . ( 116 ) في الأصل : الا بريدين ، والمثبت من المصادر ، والابردان : طرفا النهار ( المعجم الوسيط برد ) . ( 117 ) في الأصل : يحفظ ، والمثبت من المصادر . ( 118 ) كذا في الأصل . وفي رواية المصادر : ويخفض بنا في الظهائر . وبها أخذ الناشر السابق اعتمادا على المعالم ولم يشر إلى رواية الأصل . ونحن نرى أن رواية الرياض صالحة ولا حاجة لاستبدالها برواية أخرى . وفي القاموس ( قرب ) القرب والقرابة سير الليل لورد الغد . وطلب الماء ليلا ، أو أن لا يكون بينك وبين الماء الا ليلة . أو إذا كان بينكما يومان فأول يوم تطلب فيه الماء : القرب . ( 119 ) في الأصل : وصلح ، والمثبت من العقد والمعالم . ( 120 ) عبارة العقد : فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة نتأناهم وتختلف رسلنا إليهم . ( 121 ) يعني : أمير الجيش عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح .